يغفل كثير من الناس عن المنهج الصحي المتكامل للنوم وأثره على الصحة النفسية والجسدية، والذي قدمه لنا الإسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرناً.
وعلى الرغم من أن النوم حاجة فسيولوجية يستعيد بها الإنسان نشاطه، إلا أن النوم في المفهوم الإسلامي يُعتبر آية من آيات الله تبارك وتعالى، ودليلاً على قدرته وبديع صنعه، ونعمة امتن الله بها على عباده، وباباً من أبواب العبادة. إضافة إلى كونه وسيلة تحافظ على الجسد وتجدد قواه. لقد اعتنى الإسلام بفن النوم عناية دقيقة، مبيناً سننه وآدابه وفق هدي النبي محمد ﷺ.
مفهوم النوم في الإسلام
إن النوم من أعظم نعم الله تعالى على عباده، وآية من آياته الدالة على كمال قدرته وبديع حكمته ورحمته سبحانه وتعالى. فبعد ساعات العمل والسعي، يحتاج الإنسان إلى فترة سكون وراحة يستعيد فيها الجسد قوته والعقل نشاطه. وقد سخر الله تعالى الليل والنوم لهذه الغاية، فقال سبحانه: ﴿وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا﴾ [الفرقان: 47].
جعل سبحانه من ظلمة الليل لباساً يستر الوجود، وجعل النوم سباتاً؛ أي راحة وانقطاعاً عن الحركة وعناء الأشغال ليستأنف الإنسان أعباء الحياة من جديد. وقد أشار أهل اللغة إلى أن مادة “السبات” تدل على القطع والانفصال، ومنه يتولد معنى السكون والراحة والانقطاع عن الحركة والتعب.
إن هذا السبات في التصور الإسلامي عبادة ونعمة تستوجب الشكر؛ لأن المسلم متعبد لله تعالى بإعطاء جسده حقه من الراحة مستعيناً بذلك على أداء رسالته في الحياة ومستنيراً بهدي النبي ﷺ ووصاياه في نوم يجمع بين الطاعة والراحة.
آداب النوم في الإسلام
أولًا: التبكير بالنوم واجتناب السهر
إن المتأمل في معالم الهدي النبوي بشأن النوم يلاحظ حث الإسلام على التبكير بالنوم واجتناب السهر لغير حاجة أو مصلحة معتبرة. لقد خلق الله تعالى الليل سكناً وراحة وطمأنينة للناس، قال تعالى: ﴿هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه﴾ [يونس: 67]. وكان النبي ﷺ يحرص على اجتناب السهر إلا لحاجة، فقد ثبت في الصحيحين: «أن رسول الله ﷺ كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها».
وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في وصف هديه عليه الصلاة والسلام قالت: “ما رأيت رسول الله ﷺ نائماً قبلها ولا محدثاً بعدها، إما ذاكراً فيغنم أو نائماً فيسلم”. ولذلك كره العلماء السهر بعد صلاة العشاء إلا لمصلحة راجحة؛ كالتعبد بصلاة وقيام أو طلب علم أو تدبير مصلحة للمسلمين كما ورد في سمره ﷺ مع أبي بكر رضي الله عنه.
ويقاس على ذلك ما تدعو إليه الحاجة الملحة كتأنيس أهل أو ضيف أو دفع مضرة أو قضاء مصلحة معتبرة. أما السهر لغير حاجة فيخشى أن يورث صاحبه تضييع صلاة الفجر واضطراب البدن وذهاب بركة البكور. كما أن التبكير بالنوم له فوائد عظيمة غفل عنها كثيرون؛ أهمها المحافظة على صلاة الفجر والإعانة على قيام الليل وتحصيل بركة الصباح. بينما غدت ساعات الصباح الأولى أوقات كسل وإرهاق لدى كثيرين.
ثانيا: إغلاق الأبواب وتغطية الأواني
أمر النبي ﷺ بإغلاق الأبواب وإيكاء الأسقية وتغطية الأطعمة عند حلول الليل مع ذكر اسم الله تعالى فقال ﷺ: «أطفئوا المصابيح إذا رقدتم، وغلقوا الأبواب وأوكوا الأسقية وخمروا الطعام والشراب». وفي رواية مسلم: “فأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله؛ فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا”. وقد جمعت هذه الوصية النبوية بين الأخذ بالأسباب المادية لحفظ الطعام والشراب والبيت وبين التحصين الشرعي بالالتجاء إلى الله تعالى وذكر اسمه العظيم؛ فالمسلم لا يترك الأسباب ولا يغفل عن مسبب الأسباب.
ثالثا: إطفاء النار والسرج قبل النوم
نبه النبي ﷺ إلى خطر النار وأمر بإطفائها قبل الخلود إلى النوم بعبارة بليغة فقال: «إن هذه النار عدو لكم، فإذا نمتم فأطفئوها عنكم». وهذا التوجيه يمتد قياسًا إلى كل ما يترتب على تركه خطرٌ في عصرنا؛ كالأجهزة الكهربائية وأدوات التدفئة والتوصيلات التي تترك قيد التشغيل دون رقابة عملاً بقواعد حفظ النفس واستنادًا إلى أصل قاعدة: “لا ضرر ولا ضرار”.
ومن سنن النوم أن ينام المسلم على طهارة؛ قال رسول الله ﷺ: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة». فالوضوء يجمع بين الطهارة الحسية والاستعداد الروحي وفيه تهيئة للنفس لتختم يومها على ذكر وطهارة وسكينة. ويشمل ذلك تنظيف اليدين من أثر الطعام والشراب خاصة ما له رائحة أو دسم؛ لقوله ﷺ: “من نام وفي يده غمر ولم يغسله فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه”.
خامسا: نفض الفراش
ومن هديه ﷺ أن ينفض المسلم فراشه قبل الاضطجاع عليه احتياطاً لإزالة ما قد يعلق به مما لا يراه؛ قال ﷺ: «إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه ثم يقول: باسمك رب وضعت جنبي…». وهو أدب نبوي يجمع بين النظافة والاحتياط وذكر الله تعالى فلا ينام المسلم غافلاً عن سلامة بدنه ولا عن افتقاره إلى حفظ ربه.
سادسا: النوم على الشق الأيمن
علمنا رسول الله ﷺ هيئة النوم المستحبة بالاضطجاع على الشق الأيمن كما قال: «ثم اضطجع على شقك الأيمن». وما يُذكر اليوم من دراسات طبية حول فوائد هذه الهيئة لراحة القلب والبدن إنما تُذكر فقط للدلالة وليس لتعليل الأصل؛ إذ الأصل عند المسلم هو الاتباع والتأسي بالنبي ﷺ ثم تأتي المصالح والحكم شاهدةً على كمال هذا الهدي ورحمته.
سابعا: دعاء النوم
علمنا رسول الله ﷺ دعاءً عظيماً نختم به يومنا يجمع بين معاني التسليم لأمر الله والاعتصام به وبين الإيمان والاستسلام له حين قال: «ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبةً ورهبةً إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت». ويستحب أن يكون آخر ما يُذكر من الأدعية.
ثامنا: قراءة آيات من الذكر الحكيم
إن أعظم ما يحفظ المسلم في نومه آيات من كتاب الله عز وجل أوصانا رسول الله ﷺ بقراءتها ومنها:.
- آية الكرسي:
- –
- –
(فمن قرأها عند نومه كان في حفظ الله كما ثبت في الحديث): «لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح».
- – المعوذات:
- (كان النبي ﷺ إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما وقرأ): ﴿قل هو الله أحد﴾ و﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و﴿قل أعوذ برب الناس﴾ ثم مسح بهما ما استطاع من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات.
- – أواخر سورة البقرة:
- (لقوله ﷺ): «الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه». وقد حمل أهل العلم معنى “كفتاه” على معانٍ متعددة منها كفتاه من الشر أو الشيطان أو قيام تلك الليلة، واللفظ يتسع لهذه المعاني الجليلة دون جزم بواحد منها وحده.
تاسعا: أذكار المساء وما يناسب ختم اليوم بها
إن فقه هذه الآداب يتضمن تحصين النفس بالأذكار المأثورة ومنها أذكار المساء التي يحافظ عليها المسلم ويستحضر معانيها عند ختم يومه ومن ذلك:.

