إنجلترا وفرنسا أشعلتا مونديال 2026 بأهداف غزيرة في مباراة غير متوقعة، حيث سجل الفريقان 10 أهداف. لم يتوقع أحد هذه النتيجة، واعتبر البعض أن هذا الرقم من الأهداف لم يسبق له مثيل في أي مباراة بتاريخ كأس العالم.
لكن الحقيقة أن مباراة عمرها 72 عامًا لا تزال تحكم عرش الإثارة والأرقام القياسية، وهناك دائمًا أرقام تبدو وكأنها ستعيش إلى الأبد.
أرقام تتحدى الزمن، وتعبر الأجيال، وتقاوم كل محاولات تحطيمها مهما تطورت الخطط وازدادت سرعة اللاعبين وتحسنت جودة الملاعب.
ومن بين هذه الأرقام، يقف رقم واحد شامخ منذ صيف عام 1954: أكثر مباراة تهديفًا في تاريخ كأس العالم.
عندما انتهت مواجهة إنجلترا وفرنسا في مباراة تحديد المركز الثالث بمونديال 2026 بنتيجة مثيرة 6-4، ظن الملايين حول العالم أن التاريخ قد تغير وأن الرقم الأسطوري قد سقط أخيرًا.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
لقد شهد العالم واحدة من أجمل مباريات البطولة وأكثرها إثارة وجنونًا، لكنها لم تكن الأكثر تهديفًا في تاريخ كأس العالم.
عشرة أهداف صنعت التاريخ… ولكن لم تحطم الرقم القياسي.
لم تمنح مباراة إنجلترا وفرنسا الجماهير فرصة لالتقاط الأنفاس. كل بضع دقائق كان الشباك يهتز والنتيجة تتغير والإثارة تتضاعف.
ستة أهداف إنجليزية وأربعة أهداف فرنسية جعلت المباراة تدخل التاريخ من أوسع أبوابه، لكنها توقفت عند الرقم عشرة، بينما كان الرقم الذي ينتظرها أعلى من ذلك بهدفين كاملين.
ورغم ذلك، فقد أصبحت هذه المواجهة أكثر مباراة تهديفًا في تاريخ مباريات تحديد المركز الثالث بكأس العالم، كما أنها أول لقاء على الميدالية البرونزية يصل إلى عشرة أهداف وأعلى مباراة تهديفًا في كأس العالم منذ مونديال 1982.
لنعد بالزمن إلى عام 1954 حين استضافت سويسرا كأس العالم. الجماهير تملأ المدرجات والمنتخب السويسري يواجه النمسا في ربع النهائي. في البداية بدا كل شيء طبيعيًا بل وأكثر من رائع لأصحاب الأرض. سويسرا تقدمت بثلاثة أهداف نظيفة والجميع اعتقد أن المباراة انتهت مبكرًا. لكن ما حدث بعد ذلك لا يصدقه عقل: النمسا سجلت هدفا ثم ثانيا وثالثا ورابعا وخامسا وسادسا وسابعا. أما سويسرا فاكتفت بإضافة هدفين آخرين لتنتهي المباراة بنتيجة 7-5… اثنا عشر هدفًا كاملة. ومنذ ذلك اليوم، لم ينجح أي منتخب في كسر هذا الرقم رغم مرور أكثر من سبعة عقود على تلك الليلة التاريخية.
عبر تاريخ كأس العالم اقتربت منتخبات كثيرة من تحطيم الرقم. البرازيل وبولندا قدما مباراة أسطورية انتهت 6-5. المجر أمطرت شباك ألمانيا الغربية بثمانية أهداف مقابل ثلاثة. ثم عادت المجر نفسها لتسحق السلفادور بعشرة أهداف مقابل هدف. وجميعها توقفت عند 11 هدفًا… أي أقل بهدف واحد فقط من الرقم القياسي. وجاءت إنجلترا وفرنسا بعد أكثر من أربعين عامًا من آخر مباراة سجلت عشرة أهداف لتقترب مرة أخرى لكنها بقيت على بعد هدفين من القمة.
الغريب أن البطولة الحديثة أصبحت أقل تهديفًا؛ رغم أن كرة القدم أصبحت أسرع وأكثر هجومية، فإن المباريات التي تشهد هذا الكم الكبير من الأهداف أصبحت نادرة للغاية. السبب ليس ضعف المهاجمين بل قوة التنظيم الدفاعي. المنتخبات الكبرى أصبحت تعتمد على التحليل الرقمي والضغط المنظم والتمركز المثالي مما جعل الوصول إلى نتائج مثل 7-5 أو 8-3 أمرًا بالغ الصعوبة. ولهذا فإن مشاهدة مباراة تنتهي 6-4 في كأس العالم أصبحت حدثا استثنائيًا بكل المقاييس.
قبل انطلاق البطولة اعتبر كثيرون أن مباراة المركز الثالث مجرد لقاء شرفي، لكن إنجلترا وفرنسا قلبتا هذه الفكرة رأساً على عقب. بدلًا من مباراة هادئة قدم المنتخبان عرضا هجوميا سيبقى طويلاً في ذاكرة جماهير كأس العالم حتى إن كثيرين اعتبروا أن إثارة هذه المواجهة فاقت العديد من مباريات الأدوار الإقصائية. ولم يكن غريباً أن تتحول المباراة إلى حديث الصحافة العالمية بمجرد نهايتها.
ويبقى التاريخ شاهدا؛ قد يأتي يوم يسقط فيه الرقم الأسطوري وقد نشاهد مباراة تنتهي 8-5 أو 7-6 وربما أكثر. لكن حتى يحين ذلك اليوم سيظل عام 1954 هو الملك وستظل مباراة النمسا وسويسرا هي المباراة الأكثر تهديفاً في تاريخ كأس العالم. أما إنجلترا وفرنسا فقد اقتربتا كثيراً من القمة لكن الاقتراب من التاريخ شيء وكتابة تاريخ جديد شيء آخر.

