في أزقة حي العطارين القديم بوسط الإسكندرية، حيث تتجاور دكاكين الأنتيكات مع عبق التاريخ، ظل مخزن مغلق يحتضن لسنوات واحدة من أندر المقتنيات الكلاسيكية: سيارة من طراز “كاديلاك فليتوود” (موديل 1965) المنسوبة للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، بجوار سيارة أخرى من طراز “كابرس”.

لكن صمت العقود انكسر فجأة على أصوات صرير حاد وأشعة شرار متطايرة، حين تحوّلت هذه التحفة الأثرية إلى صيدٍ لعاطل يفكك التاريخ ويمزقه إربًا.

تكشفت خيوط الجريمة عندما ارتاب أهالي المنطقة وجيران المخزن في أصوات تقطيع وضجيج مرتفع صادر من الداخل في أوقات غير عادية.

وبحسب تصريحات فريق الدفاع عن مالك السيارتين (رجل الأعمال)، والمكون من المحامين سامي الموافي، حازم الشاروني، وزياد الحداد، فإن المتهم استغل وجود شقة مملوكة لوالده مجاورة للمخزن، واتخذ من “المنور” ممرًا سريًا للعبور والتسلل الدائم دون الحاجة لكسر الأبواب الخارجية.

أبدى الجيران يقظة سريعة وسارعوا بالتجمع عند مصدر الصوت بالتعاون مع صاحب المخزن، وتمكنوا من ضبط المتهم متلبسًا في وضعية التقطيع، وبحوزته الأدوات المستخدمة في الجريمة: (صاروخ يدوي، منشار حدادي، ومفكات).

وحسب تصريحات الدفاع، كان المتهم يقطع الهيكل الفولاذي والأجزاء المعدنية للسيارتين بالإضافة إلى سرقة بوابتين حديديتين للمخزن، ثم ينقل تلك القطع عبر مركبة “توك توك” مستأجرة ليبيعها لحسابه الخاص لتجار الخردة دون أدنى إدراك لقيمتها التاريخية أو النادرة.

اعترافات المتهم

فور إمساك الأهالي بالمتهم، تلقت إدارة شرطة النجدة إخطارًا انتقلت على إثره قيادات وضباط مباحث قسم شرطة العطارين إلى موقع البلاغ. حيث جرى التحفظ على المتهم وأدوات التقطيع والأجزاء المضبوطة وتحرير المحضر اللازم.

وفي التحقيقات أمام النيابة العامة، انهار المتهم وأدلى باعترافات تفصيلية أقر فيها بالواقعة كاملة قائلاً: “أيوه الكلام ده حصل.. كنت محتاج فلوس وبدخل من منور شقة أبويا المجاورة للمخزن أكتر من مرة وأقطع أجزاء من العربيات وأشيلها في توك توك أبيعها خردة.. وأنا غلطان.”.

بناءً على الاعترافات وتقرير المعاينة الأمنية، أصدرت النيابة العامة قرارًا بحبس المتهم 4 أيام على ذمة التحقيقات. وعُرض المتهم في الموعد القانوني على قاضي المعارضات الذي أصدر قرارًا بتجديد الحبس 15 يومًا على ذمة القضية وتكليف المباحث بإنهاء التحريات وتتبع الأجزاء المسروقة المباعة لاستعادتها.

وأوضح بيان رسمي لوزارة الداخلية لاحقًا أن صاحب السيارة كان قد اشتراها من مزاد علني عام 1981 وسلّم لوحاتها المعدنية لإدارة المرور عام 1995 لإسقاط الصفة الترخيصية عنها وحفظها كمقتنى خاص.

سيارات صاغت تاريخ عبد الناصر

تطرح هذه الواقعة مقارنة صارخة بين المشهد الأخير لـ”الصاروخ اليدوي” وهو يلتهم الصاج الرئاسي وبين القيمة الرمزية للسيارات في حياة الرئيس جمال عبد الناصر. إذ لم تكن يومًا مجرد وسائط نقل بل محطات فارقة في تاريخ مصر الحديث. ففي أربعينات القرن الماضي كان الضابط الشاب جمال عبد الناصر يتنقل بسيارته البريطانية الصغيرة “أوستين 8” (بابين ومحرك 900 سي سي). وعلى مقاعد تلك السيارة شُحذت أفكار الضباط الأحرار وكانت الوسيلة السرية لنقل التعليمات والاجتماعات التي تمخضت عن ثورة 23 يوليو 1952.

لم يكتفِ ناصر بالسيارات الأجنبية بل أسس عام 1960 شركة “النصر للسيارات” ضمن شعاره الشهير “من الإبرة إلى الصاروخ”. وكانت “نصر 1100” السيارة الأقرب لقلبه حيث اعتاد قيادتها بنفسه دون حراسة في شوارع القاهرة ليؤكد للشعب نجاح التجربة الصناعية الوطنية.

أما “الكاديلاك فليتوود” – محل الواقعة – فكانت درة تاج الأسطول الرئاسي؛ بطول ناهز الـ6 أمتار وتجهيزات داخلية فارهة جعلتها الخيار المفضل لاستقبال الملوك ورؤساء العالم في حقبة الستينات وشاهدة على أرشيف العلاقات الدولية لمصر.

اقرأ أيضًا:.