أكد الدكتور محمد مهنا، أستاذ بجامعة الأزهر، أن ضعف الهوية في المجتمع المصري لا يقتصر على اللغة أو أنماط الحياة، بل يمتد بشكل واضح إلى منظومة القيم والأخلاق التي كانت تشكل جوهر الشخصية المجتمعية.
خلال حلقة برنامج “مع الناس” على قناة الناس، أوضح مهنا أن هناك تراجعًا ملحوظًا في العديد من القيم الأصيلة مثل الكرم والشهامة والمروءة، مشيرًا إلى أن هذه القيم كانت جزءًا أساسيًا من الهوية الثقافية والاجتماعية.
قال: “رغم أن الخير لا يزال موجودًا في الأمة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الخير فيّ وفي أمتي إلى يوم الدين»، إلا أننا نتحدث عن تراجع في حضور هذه القيم في السلوك العام”
وأضاف أن من أبرز صور هذا التراجع هو احترام الكبير وتقدير القدوة، موضحًا أن هذه المعاني لم تعد حاضرة كما كانت في السابق، حيث كانت كلمة “عيب يا ولد” لها وزنها وتأثيرها، بينما اليوم تغير المشهد بشكل ملحوظ.
شدد على أن حرية التعبير لا تتعارض مع احترام التدرج في الحديث وتقدير أهل الخبرة، قائلًا: “لكل إنسان الحق في أن يتكلم ويعبر عن رأيه، لكن من الأدب أن يسبق ذلك احترام الكبير والاستماع للعالم ولصاحب الخبرة”
انتشار ظاهرة التقليد الأعمى للموضة
وفيما يتعلق بالثقافة المجتمعية، أشار مهنا إلى انتشار ظاهرة التقليد الأعمى للموضة، موضحًا أنها لم تعد تقتصر على الملبس فقط، بل امتدت إلى أنماط الحياة والسلوك، قائلًا: “كل ما يظهر جديد نسارع لتقليده دون وعي أو فهم، وهو ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا تكن إمعة، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساؤوا أسأت»”
أوضح أن التعامل الواعي مع المتغيرات يتطلب امتلاك “مصفاة” فكرية وقيمية، تمكّن الإنسان من التمييز بين ما يناسبه وما لا يناسبه، مشيرًا إلى أن هذه المصفاة يجب أن تكون منضبطة بالهوية والثوابت.
أضاف: “العاقل هو الذي يفهم زمانه، ويميز بين ما يصلح له وما لا يصلح، وليس مجرد من يفرق بين الخير والشر فقط، بل من يدرك أي الخيرين أولى، وأي الشرين أخف”
كما حذر من بعض الظواهر الدخيلة مثل المبالغة في التبرج أو أنماط السلوك غير المنضبطة، مؤكدًا أن قيم الشهامة والرجولة والالتزام الأخلاقي يجب أن تبقى حاضرة.
وتطرق مهنا إلى جانب آخر يتمثل في الفكر، مشيرًا إلى أن الانغلاق والتطرف ليسا من سمات الهوية الأصيلة، بل قد يكونان رد فعل عكسيًا ناتجًا عن شعور بالهزيمة أو سوء فهم للتراث، قائلًا: “عدم القدرة على استيعاب الواقع أو فهم التراث بشكل صحيح قد يؤدي إلى ردود أفعال متشددة، تتنافى مع سماحة الهوية”
شدد على أن التوازن هو الأساس، من خلال فهم صحيح للتراث واستيعاب واعٍ للواقع، بما يحفظ للمجتمع هويته ويجنبه الانسياق وراء التطرف أو الذوبان في الآخر.

