قال خبراء اقتصاديون إن الذهب يمر حاليًا بمرحلة تصحيح زمني وسعري بعد موجة صعود قوية، لكنهم يستبعدون تكرار الانهيار التاريخي الذي شهده عام 1980 عندما فقد نحو 60% من قيمته. وأوضحوا أن اتجاه المعدن الأصفر سيظل مرتبطًا بالتوترات الجيوسياسية وسياسات الفائدة الأمريكية ومدى استمرار مشتريات البنوك المركزية.

وأضافوا لـ”مصراوي” أن الذهب دخل بالفعل في مرحلة تصحيح بعد موجة صعود قوية، لكن استمرار هذا التصحيح أو تحوله إلى موجة هبوط أعمق سيعتمد على تطورات الحرب والتضخم الأمريكي ورد فعل الأسواق تجاهها.

سجل الذهب أعلى مستوى قياسي له عند نحو 5600 دولار للأوقية في أواخر يناير 2026، قبل أن يدخل في موجة تصحيح هبط خلالها بنحو 29% من قمته، متأثرًا بتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي أدت إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة الضغوط التضخمية عالميًا، مما عزز الطلب على الدولار.

وخلال يونيو ويوليو 2026، تعرض الذهب لمزيد من الضغوط مع تصاعد التوترات الجيوسياسية وارتفاع المخاوف من استمرار أسعار الفائدة الأمريكية مرتفعة، ليتراجع مؤقتًا إلى ما دون مستوى 4000 دولار للأوقية.

وشهد الذهب عبر تاريخه فترات تصحيح طويلة، كان أطولها بين يناير 1980 ومنتصف 1999، عندما هبط من قمة 850 دولارًا إلى نحو 252 دولارًا للأوقية في سوق هابط استمر قرابة 20 عامًا مع استقرار التضخم العالمي وازدهار أسواق الأسهم والتكنولوجيا.

أما ثاني أطول فترة تصحيح فامتدت من سبتمبر 2011 إلى يوليو 2020، بعد أن سجل الذهب قمة تاريخية عند 1920 دولارًا، قبل أن يتراجع إلى نحو 1050 دولارًا ثم يتحرك في مسار عرضي هابط لسنوات، ولم يستطع تجاوز قمته السابقة إلا في صيف 2020.

اقرأ أيضًا:.

7 عوامل تحرك أسعار الذهب في مصر.. أبرزها الأوقية والدولار والفائدة.

التصحيح الحالي مرتبط بالحرب وتفاعل الأسواق.

قال هشام حسن، الخبير الاقتصادي وعضو مجلس إدارة “فاينانس كوتش”، إن فترة التصحيح التي يمر بها الذهب حاليًا لا يمكن قياسها زمنيًا أو مقارنتها بدورات سابقة بشكل قاطع. وأوضح أن مدتها أصبحت مرتبطة بتطورات الأوضاع الجيوسياسية ومدى تفاعل الأسواق معها وليس بمجرد مرور الوقت.

وأضاف أن السوق يمر حاليًا بحركة عرضية بدأت منذ أشهر. موضحًا أن استمرار هذه المرحلة أو انتهائها سيعتمد على ما إذا كانت الأسواق ستواصل تجاهل أخبار الحرب والتوترات أم ستعود للتفاعل معها بقوة.

وأوضح حسن أن أطول فترة تحرك فيها الذهب بشكل عرضي خلال موجة الصعود الأخيرة كانت بين أبريل 2023 ويناير 2024. حيث انطلق من مستوى يقارب 2000 دولار للأوقية إلى نحو 5400 – 5600 دولار محققًا مكاسب تجاوزت 160%.

وأشار إلى أن التراجع الحالي لا يزال محدودًا مقارنة بحجم تلك المكاسب. إذ انخفض الذهب بنحو 27% إلى 29% فقط من أعلى مستوياته، وهو ما يعد تصحيحًا طبيعيًا بعد موجة صعود قوية. قائلاً: “عندما يرتفع السوق بأكثر من 160% ثم يتراجع بنحو 25% أو 30% فهذا أمر طبيعي ولا يدعو للقلق”.

ولفت إلى أن أكثر المتضررين من هذه المرحلة هم المستثمرون الذين اشتروا قرب القمم السعرية على أمل استمرار الصعود. مؤكدًا أن الأسواق بطبيعتها تمر بموجات تصحيح بعد الارتفاعات الكبيرة.

وأوضح حسن أن أحد أهم العوامل التي ستحدد اتجاه الذهب خلال الفترة المقبلة هو مدى استجابة المستثمرين للأخبار السلبية. موضحًا أن الأسواق بدأت تكتسب ما وصفه بـ”المناعة” تجاه التطورات الجيوسياسية إذ لم تعد تتفاعل مع الأخبار بنفس القوة التي كانت عليها في بداية الأزمة.

وأضاف أنه ظهر هذا الأمر بوضوح خلال الأسبوع الماضي حيث تجاهلت أسواق عديدة ومنها البورصة المصرية جانبًا كبيرًا من الأخبار السلبية. كما تراجع الذهب مؤقتًا إلى ما دون مستوى 4000 دولار قبل أن يعوض خسائره سريعًا ويغلق الأسبوع أعلى هذا المستوى.

وقال حسن إن الذهب يتحرك حاليًا داخل نطاق عرضي مع وجود دعم رئيسي بين 3920 و3950 دولارًا بينما تمثل منطقة 4225 إلى 4250 دولارًا مستوى المقاومة الأهم. مشددًا على أنه لا يمكن اعتبار موجة التصحيح قد انتهت إلا إذا نجح المعدن الأصفر في اختراق هذه المقاومة وعودة القوة الشرائية إلى السوق.

وأوضح أن المطلوب في المرحلة الحالية ليس البحث عن قمم جديدة وإنما مراقبة قدرة الذهب على الحفاظ على استقراره فوق مستويات الدعم. معتبرًا أن استمرار التحرك العرضي في حد ذاته يعد إشارة إيجابية لأنه يعني تجنب مزيد من الخسائر وتهيئة السوق لمرحلة صعود جديدة.

وأشار حسن إلى أن شهر أغسطس غالباً ما يشهد تحركات مختلفة في الأسواق لكنه شدد على أنه لا يمكن الجزم بأن هذه الفترة ستشهد نهاية التصحيح لأن الأمر سيظل مرهوناً بتطورات الحرب ورد فعل المستثمرين عليها.

ولفت إلى أن استمرار البنوك المركزية في زيادة احتياطياتها من الذهب يمثل عامل دعم مهم للأسعار. موضحاً أن الدول تستغل فترات التراجع لبناء مراكز طويلة الأجل لأنها تنظر إلى الذهب باعتباره أصلّاً استراتيجياً للمستقبل وليس استثماراً قصير الأجل.

وأضاف حسن أنه يجب على المستثمرين مراقبة مستويين رئيسيين خلال الفترة المقبلة هما:3900 دولار كمنطقة دعم و4225 دولار كمستوى مقاومة. موضحاً أنه اختراق المقاومة قد يكون إشارة لعودة الاتجاه الصاعد بينما كسر مستوى الدعم قد يفتح الباب أمام مزيد من التراجعات.

كان انهيار عام1980 الأعنف في تاريخ الذهب إذ هبط من نحو850 دولاراً إلى قرابة300 دولار بعد رفع الفائدة الأمريكية إلى20% بقيادة بول فولكر.

وفي عام2013 تعرض الذهب لما عُرف بـ”مذبحة الذهب” حيث خسر13%من قيمته في يومين فقط وتراجع بنحو30%من قمته البالغة1920دولاراً مع بدء تعافي الاقتصاد الأمريكي وتزايد المخاوف من بيع بعض البنوك المركزية لاحتياطياتها.

اقرأ أيضًا:.

رغم تصاعد الحرب بين أمريكا وإيران.. لماذا تباطأت تحركات الذهب؟ خبراء يجيبون.

هل يواجه الذهب سيناريو1980من جديد؟

قال محمود نجلة المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي للاستثمارات المالية إن تكرار سيناريو انهيار الذهب في ثمانينيات القرن الماضي يبقى احتمالاً ضعيفاً لاختلاف الظروف الاقتصادية الحالية جذرياً عن تلك الفترة خاصة فيما يتعلق بسياسة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.

وأضاف نجلة أن ما حدث في الثمانينيات جاء بعد تولي رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأسبق بول فولكر الذي رفع أسعار الفائدة بصورة حادة وصلت لنحو20% لكبح التضخم ودعم الدولار وهو سيناريو لا يبدو مطروحاً حالياً.

وأوضح نجلة أن التوقعات الحالية تدور حول زيادات محدودة في أسعار الفائدة قد تتراوح بين ربع نقطة مئوية ونقطة مئوية واحدة على الأكثر ولن تستمر لفترة طويلة إذ تشير التقديرات لإمكانية عودة الفيدرالي لخفض الفائدة بدءً من العام المقبل.

وأشار إلى أن الذهب قد يشهد مزيداً من التراجعات خلال الفترة المقبلة لكنه استبعد أن تكون بنفس الحدة التي شهدها المعدن الأصفر بعد قمة عام1980 مرجحاً تحركه داخل نطاقات سعرية تتأثر بتوقعات الفائدة وقوة الدولار.

وأوضح نجلة أنه تم بالفعل تسعير جزء كبير من احتمالات رفع الفائدة موضحاً أن الأسعار الحالية تعكس توقعات بقيام الاحتياطي الفيدرالي برفع الفائدة مرتين حتى نهاية العام لذلك فإن أي رفع يتماشى مع هذه التوقعات قد لا يترك تأثيرا كبيرا على الذهب.

وأضاف نجلة إن العامل الحاسم سيكون عدد مرات رفع الفائدة وحجمها فإذا أدى استمرار الحرب لارتفاع التضخم فقد ترتفع توقعات الأسواق لثلاث أو أربع زيادات بدلًامن اثنتين وربما تمتد دورة التشديد النقدي للجزء الأول من عام2027.

وأوضح نجلة أنه مع استمرار الضغوط التضخمية سيدفع المستثمرون لرفع رهاناتهم على مزيدٍ من التشديد النقدي وهو ما سيزيد الضغوط على أسعارالذهب مشيراً لأن تحركات المعدن الأصفر خلال الفترة المقبلة ستظل مرتبطة ببيانات التضخم وتوقعات السياسة النقدية الأمريكية.