شارك الدكتور محمود محيي الدين، المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل التنمية المستدامة افتراضيا في جلسة رفيعة المستوى ضمن فعاليات Africa Health ExCon 2026، المنعقدة في القاهرة خلال الفترة من 15 إلى 18 يونيو 2026، حيث أكد أن النظم الصحية القادرة على الصمود تمثل أساساً للتنمية المستدامة، والاستقرار الاقتصادي، والإنتاجية، وبناء رأس المال البشري.
وتجمع فعاليات Africa Health ExCon 2026 قيادات الرعاية الصحية، وصناع السياسات، والمؤسسات الشريكة، والخبراء الطبيين، وممثلي القطاع الخاص، بهدف تعزيز مكانة أفريقيا كمركز قاري للابتكار الصحي والتجارة في القطاع الصحي.
وخلال مشاركته في الجلسة رفيعة المستوى التي أدارتها الأستاذة الدكتورة مها الرباط، وبحضور عدد من الوزراء، وقادة المؤسسات، وشركاء التنمية، وخبراء الصحة العامة من مصر وأفريقيا وخارجها، أعرب د. محيي الدين عن تقديره للجهات المنظمة، وفي مقدمتها الهيئة المصرية للشراء الموحد والإمداد والتموين الطبي وإدارة التكنولوجيا الطبية، ووزارة الصحة والسكان المصرية، والمراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، وجميع الشركاء الداعمين لهذه المنصة.
5 رسائل للصحة
واستهل د. محيي الدين كلمته بالتأكيد على خمس رسائل رئيسية؛ أولها أن الصحة ليست قطاعاً اجتماعياً فحسب، بل هي أساس للتنمية الاقتصادية، والإنتاجية، والقدرة على الصمود، وتكوين رأس المال البشري. وثانيها أن التمويل مهم، لكنه وحده لا يكفي لتحقيق تقدم مستدام، إذ يتطلب الأمر مؤسسات قوية، وحوكمة فعالة، وتكنولوجيا، وقدرة على التنفيذ.
وثالثها أن التغطية الصحية الشاملة يجب أن تظل في صدارة الأولويات، ولكن باعتبارها منظومة متكاملة تقوم على الجودة، والحوكمة، والبنية الرقمية، والحماية المالية. ورابعها أن مستقبل الصحة في أفريقيا يجب أن يكون مبتكراً ورقمياً، وفي الوقت نفسه منصفاً وشاملاً، بحيث تساهم التكنولوجيا في تقليل عدم المساواة لا في تعميقها. وخامسها أن النظم الصحية في أفريقيا يجب أن تصبح أكثر قدرة على الصمود أمام ضغوط الديون، والأوبئة، وتغير المناخ، والتحولات الديموغرافية، واضطرابات سلاسل الإمداد.
جائحة كوفيد-19 كشفت عمق الترابط بين النظم الصحية والاستقرار الاقتصادي
وأشار د. محيي الدين إلى أن جائحة كوفيد-19 كشفت عمق الترابط بين النظم الصحية والاستقرار الاقتصادي والقدرة الاجتماعية على الصمود، مؤكداً أن الاستعداد للأوبئة ليس أولوية اقتصادية فحسب، بل ضرورة إنسانية أيضاً، لأن قيمة الإنسان وكرامته لا يمكن اختزالهما في تعويضات أو حسابات مالية.
وشدد على أنه لا يمكن تحقيق تنمية مستدامة دون نظم صحية قادرة على الصمود، لافتاً إلى أن الصحة ترتبط ارتباطاً مباشراً بأهداف التنمية المستدامة، ولا سيما القضاء على الفقر، ومكافحة سوء التغذية، والهدف الثالث المتعلق بالصحة الجيدة والرفاه. كما أكد أن المستقبل الديموغرافي لأفريقيا يمكن أن يتحول إلى فرصة كبرى إذا استثمرت الدول بصورة كافية في الإنسان، من خلال الصحة، والتعليم، والمهارات، وقابلية التشغيل، والمشاركة المنتجة في المجتمع والاقتصاد.
إصلاح النظم الصحية
وحدد د. محيي الدين ثلاثة مرتكزات رئيسية لإصلاح النظم الصحية، هي: التمويل والاستثمار، والتكنولوجيا والمعرفة، والحوافز المدعومة بأطر تنظيمية مناسبة. وأوضح أن هذه المرتكزات تتطلب سياسات فعالة، ومؤسسات قادرة، ونظم حوكمة سليمة، وقدرة تنفيذية تترجم الموارد إلى نتائج، والنتائج إلى أثر ملموس.
وفيما يتعلق بالتمويل، حذر د. محيي الدين من اتساع فجوة تمويل أهداف التنمية المستدامة عالمياً، في وقت تؤثر فيه ضغوط الديون على قدرة كثير من الدول على الاستثمار في الصحة والتعليم. وأشار إلى أن خدمة الدين تتجاوز الإنفاق على الصحة والتعليم في العديد من الدول، لا سيما في أفريقيا، الأمر الذي يجعل إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص أمراً بالغ الأهمية.
وبشأن التغطية الصحية الشاملة، أكد د. محيي الدين أن توسيع نطاقها يتطلب أكثر من التمويل، إذ يحتاج إلى إصلاحات في الحوكمة، ونظم الدفع، والأنظمة الرقمية، والمشتريات، والتصميم الاكتواري، وضمان الجودة، والتنسيق المؤسسي، وآليات المتابعة والتقييم. وأضاف أن الإصلاحات ينبغي أن تتم بصورة مرحلية ومدروسة، مع ضمان أن يشعر المواطنون بتحسن ملموس في وقت مبكر من عملية التنفيذ.
التكنولوجيا والتحول الرقمي
كما سلط د. محيي الدين الضوء على أهمية التكنولوجيا والتحول الرقمي في تعزيز النظم الصحية الأفريقية، مشيراً إلى الإمكانات الكبيرة للذكاء الاصطناعي في دعم التشخيص المبكر، ومراقبة الأمراض، وتحسين إدارة سلاسل الإمداد، ورفع الكفاءة الإدارية، وتوسيع الوصول إلى المعرفة الطبية. وفي الوقت نفسه، شدد على أن استخدام الذكاء الاصطناعي في الصحة يجب أن يستند إلى أطر أخلاقية واضحة وبنية تحتية داعمة، تشمل الكهرباء، والاتصال الرقمي، والسجلات الصحية الرقمية، والأمن السيبراني، وحوكمة البيانات، والكوادر المؤهلة.
وربط د. محيي الدين بين الصحة والعمل المناخي، محذراً من أن تغير المناخ يؤثر بالفعل على النتائج الصحية، خاصة في المناطق التي تواجه قيوداً في البنية التحتية، وانعداماً للأمن الغذائي، وإجهاداً مائياً، ومحدودية في قدرات النظم الصحية. وأشار إلى إدراج النظم الصحية ضمن أولويات أجندة شرم الشيخ للتكيف التي أُطلقت خلال مؤتمر الأطراف COP27 في مصر، مؤكداً أن الاستثمار في نظم صحية قادرة على الصمود مناخياً يعزز الحاجة إلى مزيد من تمويل المناخ والتنمية والعمل المناخي والتنموي.
التعاون الإقليمي
وأكد د. محيي الدين كذلك أهمية التعاون الإقليمي في التعامل مع تحديات الصحة في أفريقيا. وأوضح أنه في عالم يشهد توترات بين القوى المهيمنة والقوى الصاعدة، تمثل الحلول القائمة على التعاون الإقليمي مساراً عملياً وفعالاً. ودعا إلى تعزيز التعاون بين الدول الأفريقية، وتبادل الخبرات، وتبني مقاربات متكاملة للتحول الصحي واسع النطاق.
كما دعا إلى تعزيز التعاون الإقليمي في نظم المشتريات الصحية، موضحاً أن التعاون في هذا المجال يمكن أن يحسن جودة وشروط المشتريات، ويقلل من مواطن الضعف الناتجة عن تفتت سلاسل الإمداد في القارة.
واختتم د. محيي الدين كلمته بالتأكيد على أن أفريقيا تحتاج إلى نظم صحية مستدامة مالياً، قادرة تكنولوجياً، شاملة اجتماعياً، قادرة على الصمود مناخياً، ومتمحورة حول الإنسان. وشدد على أن مستقبل القارة لن يتحدد فقط بحجم سكانها، بل بجودة الاستثمار في شعوبها.
وأكد أنه إذا استثمرت أفريقيا بفاعلية في الصحة، والتعليم، والمهارات، والابتكار، والعمل اللائق، فإنها ستتمكن من تحقيق إمكانات عائدها الديموغرافي، مضيفاً أن شعوب أفريقيا لن تكون فقط مستفيدة من التنمية، بل ستكون هي المحرك الرئيسي لها.

