كتبت: فاطمة يحيى

تعد فوضى التوقعات وضبابية المشهد الاقتصادي العالمي من أبرز التحديات التي تواجه المستثمرين في سوق الذهب اليوم؛ فبعد أن توقعت بعض المؤسسات المالية العالمية مطلع العام وصول سعر الأوقية إلى مستويات غير مسبوقة تتراوح بين 6 و7 آلاف دولار، عادت تلك المؤسسات لتخفض توقعاتها بشكل حاد.

على سبيل المثال، تراجع بنك “جولدمان ساكس” عن توقعاته المرتفعة لسعر الذهب بنهاية هذا العام ليضبطها الشهر الماضي قرب حاجز الـ 4900 دولار للأوقية، بعد أن كانت توقعاته تصل إلى 5400 دولار، وذلك تماشياً مع التقلبات الراهنة في الأسواق العالمية.

بنهاية الأسبوع الماضي، وصل سعر الأوقية في المعاملات الفورية إلى نحو 4018 دولاراً، وسط استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتضارب توقعات السياسات النقدية للفيدرالي الأمريكي. وقد انعكس ذلك على سوق الصاغة في مصر بحالة من الترقب المستمر التي ألقت بظلالها على سلوك المستهلكين وحركت الأسعار في اتجاهات مفاجئة.

هل تحرك التوقعات سوق الذهب؟

قال هاني جنينة، الخبير الاقتصادي، إن المحرك الأول لسوق الذهب يتمثل في استمرار البنوك المركزية حول العالم في لعب دور المشتري الصافي للذهب. وأشار إلى أن التقارير الصادرة عن مجلس الذهب العالمي تؤكد أن حركة الشراء من جانب هذه البنوك مستمرة ولم تتوقف، ويأتي على رأسها البنك المركزي الصيني الذي يسعى بشكل متوازٍ لتقليل حيازته من أذون الخزانة الأمريكية مقابل زيادة حيازته من المعدن الأصفر. وهذا يأتي ضمن توجه عام لتقليص الهيمنة الدولارية كأداة للعقوبات الاقتصادية، مما يدفع هذه البنوك نحو استمرار عمليات الشراء والتحوط بالمعدن النفيس.

المنافسة الشرسة تحرك الأسواق

“على الجانب الآخر، يبحث المستثمرون الأفراد دائماً عن بدائل استثمارية ذات عوائد مجزية وسريعة، وهو ما خلق حالة من المنافسة الشرسة للذهب كأصل استثماري وأدى لانخفاض أسعاره. فقد اتجهت شريحة واسعة من المستثمرين نحو صناديق السلع الأخرى مثل النفط والنحاس، بالإضافة إلى الاستثمار في الأسهم الأمريكية للاستفادة من طفرة الذكاء الاصطناعي ومستوياتها القياسية. فضلاً عن العوائد المرتفعة التي تقدمها السندات الأمريكية، مما دفع جزءاً كبيراً من السيولة للخروج مؤقتاً من سوق الذهب بحثاً عن العائد اليومي أو الشهري الأعلى.” بحسب ما قاله جنينة لـ “إيكونومي بلس”.

صعوبة التنبؤ بمستقبل الأسعار

يرى جنينة أنه من الصعب التنبؤ بأسعار الذهب بدقة متناهية، إلا أن الاتجاه العام على المدى القريب يشير إلى قرب تشكل حد أدنى لسعره (نقطة دعم قوية). ويعزز هذا الاتجاه الرغبة العالمية المستمرة في التخلص من الهيمنة الدولارية، وهو توجه لا يُتوقع التراجع عنه خاصةً مع وجود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في السلطة بالولايات المتحدة.

أما بشأن توقيت القفزة القادمة لأسعار الذهب، فإنها تظل رهينة بقرارات البنك المركزي الأمريكي (الاحتياطي الفيدرالي). يستبعد جنينة قيام الفيدرالي برفع الفائدة مجدداً. وحتى إن حدث ذلك فسينحصر في نطاق ضيق جداً (في حدود ربع نقطة مئوية)؛ حيث سيفضل البنك الاعتماد على “السياسة اللفظية” وتوجيه توقعات الأسواق بالحديث بدلاً من الإجراءات الفعلية. وذلك تجنباً لإغضاب الإدارة الأمريكية أو التسبب في هزات عنيفة بأسواق الأسهم والسندات، وهو ما قد يدعم الذهب في الأجل القريب.

هل يجب أن يعتمد المستثمر على التوقعات وحدها؟

يرى هاني ميلاد، رئيس شعبة الذهب التجارية، أن التوقع لا يؤثر وحده على السوق ويجب أن يستند إلى دراسة اقتصادية سليمة. معتبراً أن إطلاق أرقام بعينها دون تحديد مدى زمني منطقي للوصول إليها يعد نوعاً من الاجتهاد الشخصي والتخمين الذي يفتقر للعلمية. مؤكداً أنه يتجنب دائماً تحديد أرقام بعينها؛ لأن السؤال الأهم اقتصادياً ليس إلى أين سيصل سعر الذهب بل متى سيصل إليه؟

“الذهب يمتلك نقطة دعم قوية للغاية فوق حاجز الأربعة آلاف دولار للأوقية رغم ضبابية المشهد. وهذا يضمن استقراره النسبي. ولكن الواقع الاقتصادي الجديد يتأثر سريعاً بالشائعات، وحتى التغريدات السياسية البسيطة باتت قادرة على تغيير مسار الأسواق في لحظات. مما يخلق بيئة معقدة تختلف تماماً عما عهدته الصاغة في العقود الماضية”، وفقاً لما قاله ميلاد لـ “إيكونومي بلس”.

عن المشهد الحالي في السوق، يشير ميلاد إلى أن الأسواق العالمية محكومة حالياً بحالة من التوتر والاضطراب السريع نتيجة تداخل الأحداث الجيوسياسية ونذر الحروب المتلاحقة. فضلاً عن تقلب توقعات قرارات الفيدرالي الأمريكي بين التيسير والتشدد النقدي. مؤكداً أن هذا التذبذب هو سر تضارب التوقعات التي يشهدها السوق.

الذهب إلى أين؟

“التجربة التاريخية أثبتت أن الذهب وعاء ادخاري طويل الأجل بامتياز وأن أي قمة سعرية يتراجع عنها الذهب خلال فترات التصحيح يعود دائماً ليتجاوزها ويحقق قمماً جديدة مع مرور الوقت” بحسب ما قاله ميلاد.

يحذر رئيس الشعبة بشدة من الانزلاق إلى دوامة المضاربات السريعة التي تهدف لتحقيق أرباح خلال أيام أو أسابيع معدودة واصفاً إياها بالمغامرة غير المضمونة في ظل المشهد الضبابي الحالي. ويوجه النصيحة للمواطنين بضرورة الشراء فقط من خلال فائض مدخراتهم وتجنب الاستعجال ليظل الذهب كما كان دائماً الملاذ الآمن والأكثر استقراراً للأفراد على المدى البعيد.

فيما يتعلق بسلوك المستهلكين وتفضيلاتهم بين شراء السبائك والمشغولات الذهبية، يوضح رئيس شعبة الذهب أن تفضيل السبائك لسنوات طويلة جاء بدافع انخفاض مصنعيتها ورغبة المشتري في الحفاظ على القيمة كاملة داخل خزائن مغلقة. إلا أن المشغولات الذهبية تظل خياراً استثمارياً واستهلاكياً ذكياً للغاية بحسب وصفه.