أكد بنك قطر الوطني (QNB) أن الدولار الأمريكي لا يزال يتمتع بقدرة كبيرة على الصمود خلال السنوات الأخيرة، رغم تصاعد الضغوط الناتجة عن تحديات هيكلية، تشمل ارتفاع سعر صرفه الحقيقي، واستمرار العجز في المالية العامة والميزان التجاري الأمريكي، بالإضافة إلى توجه عدد من البنوك المركزية حول العالم إلى تنويع احتياطياتها الدولية بعيدًا عن الدولار.

وأوضح البنك، في تقريره الأسبوعي، أن هذه التطورات دفعت العديد من المحللين للتساؤل حول مستقبل الدولار الأمريكي وقدرته على الحفاظ على مكانته. ومع ذلك، واصلت العملة الأمريكية أداءها القوي أمام معظم العملات الرئيسية، بفضل استمرار تأثير العوامل الدورية التي حدت من انعكاسات الضغوط الهيكلية طويلة الأجل.

وأشار التقرير إلى أن العوامل الهيكلية تؤثر بصورة أساسية في المسار طويل الأجل للدولار، بينما ترتبط تحركات أسعار الصرف على المدى القصير والمتوسط بالعوامل الدورية، وعلى رأسها فروقات أسعار الفائدة، حيث تلعب دورًا رئيسيًا في توجيه تدفقات رؤوس الأموال العالمية وإعادة توزيع المحافظ الاستثمارية بين الأسواق.

وأضاف أن الاقتصاد الأمريكي استفاد خلال الفترة الماضية من عاملين رئيسيين دعما قوة الدولار، هما متانة النشاط الاقتصادي والطفرة الاستثمارية المرتبطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، إذ ساهما في تعزيز الطلب الأجنبي على الأصول المالية الأمريكية، مما وفر دعمًا إضافيًا للعملة الأمريكية.

ولفت البنك إلى أن فروقات أسعار الفائدة تعد من أبرز العوامل المؤثرة في أداء الدولار، حيث ترتبط أسعار الصرف بالعائد الذي يحققه المستثمرون من الأصول المالية في مختلف الاقتصادات، مما يجعل السياسة النقدية من أهم المحركات لقيمة العملات.

وأوضح أن ارتفاع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة مقارنة بعدد من الاقتصادات المتقدمة يعزز الطلب على الأصول المقومة بالدولار، مما يدعم قيمة العملة الأمريكية.

كما بين أن الفترات التي شهدت ارتفاعًا في أسعار الفائدة الأمريكية ارتبطت تاريخيًا بمراحل اتسمت بقوة الدولار. مشيرًا إلى أن التحولات الأخيرة في سياسة الاحتياطي الفيدرالي زادت من أهمية فروقات أسعار الفائدة في دعم العملة الأمريكية.

وذكر التقرير أن الأسواق كانت تتوقع في بداية العام خفض أسعار الفائدة الأمريكية بنحو 50 نقطة أساس خلال عام 2026. غير أن استمرار الضغوط التضخمية، بالإضافة إلى قوة النشاط الاقتصادي وتحول الاحتياطي الفيدرالي إلى موقف أكثر ميلاً لتشديد السياسة النقدية بقيادة رئيسه الجديد كيفن وارش، دفع الأسواق إلى إعادة تقييم توقعاتها بشأن مسار السياسة النقدية.

وبحسب التقرير، تشير توقعات الأسواق حاليًا إلى بقاء أسعار الفائدة الرئيسية عند مستويات مرتفعة نسبيًا لفترة أطول مع احتمال إجراء تعديلات إضافية إذا استدعت التطورات الاقتصادية ذلك.

وأشار إلى أن النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية يتراوح حاليًا بين 3.50 و3.75 بالمئة مقارنة مع 2.25 بالمئة لسعر الفائدة على تسهيلات الإيداع لدى البنك المركزي الأوروبي و1.00 بالمئة لدى بنك اليابان. وهو ما يعكس استمرار الفجوة الكبيرة في أسعار الفائدة بين الولايات المتحدة وغيرها من الاقتصادات المتقدمة بما يوفر دعمًا مستمرًا للدولار.

وأكد بنك قطر الوطني أن الأداء القوي لسوق الأسهم الأمريكية بدعم من قطاعي التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يمثل عاملاً إضافيًا يعزز الطلب العالمي على الأصول المالية الأمريكية ويسهم في دعم الدولار.

وأوضح أن التوسع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي أدى إلى زيادة الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية بما يشمل أشباه الموصلات ومراكز البيانات والحوسبة السحابية وشبكات الكهرباء.

وأشار إلى أن الولايات المتحدة استحوذت على حصة كبيرة من هذه الاستثمارات بفضل ريادتها في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وأضاف أن هذا الزخم ساهم في تعزيز أرباح الشركات الأمريكية ودعم الأداء المتفوق لسوق الأسهم مقارنة بالأسواق العالمية كما زاد من جاذبية الأصول المالية الأمريكية أمام المستثمرين الدوليين وشجع على استمرار تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية إلى الولايات المتحدة مما وفر دعمًا إضافيًا للدولار.

وأشار التقرير إلى أن أثر الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لا يقتصر على الأسواق المالية بل يمتد إلى الاقتصاد الحقيقي عبر دعم الإنفاق الرأسمالي والنشاط الاستثماري وهو ما قد يسهم على المدى الطويل في رفع الإنتاجية وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الأمريكي.

وفي السياق ذاته أوضح التقرير أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال يتفوق على عدد من الاقتصادات المتقدمة رغم تباطؤ وتيرة النمو مقارنة بالسنوات الماضية.

ولفت إلى أن مؤشرات النشاط الاقتصادي تؤكد استمرار هذا التفوق إذ بقي مؤشر مديري المشتريات المركب في الولايات المتحدة فوق مستوى 50 نقطة وهو الحد الفاصل بين النمو والانكماش مما يعكس استمرار التوسع في قطاعي الصناعة والخدمات.

وفي المقابل ظل مؤشر مديري المشتريات المركب في منطقة اليورو قريبًا من مستويات الركود أو دونها مما يعكس ضعف النشاط الاقتصادي مقارنة بالولايات المتحدة.

وأكد التقرير أن قوة الاقتصاد الأمريكي لا تعزز فقط الطلب على الأصول المالية الأمريكية بل تدعم أيضًا قيمة الدولار عبر تحسين توقعات المستثمرين بشأن النمو المستقبلي وإمكانية تحقيق عوائد أعلى داخل السوق الأمريكية.

واختتم بنك قطر الوطني تقريره بالتأكيد على أنه رغم التحديات الهيكلية مثل ارتفاع قيمة الدولار الحقيقية والعجز المالي والتجاري وتغير توجهات الاحتياطيات العالمية قد تؤثر في مساره على المدى الطويل إلا أن العوامل الدورية وفي مقدمتها فروقات أسعار الفائدة والطلب المستمر على الأصول الأمريكية ستظل تشكل دعمًا رئيسيًا للدولار خلال الفترة المقبلة.