افتتح مساء أمس شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، والدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، وروبرت سيلفرمان، القائم بأعمال سفير الولايات المتحدة الأمريكية بالقاهرة، برفقة الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، وأغنيشكا دوبروفولسكا، مديرة شركة أركينوس للهندسة المعمارية، قبة السلطان الأشرف قايتباي بمنطقة صحراء المماليك. جاء ذلك بعد الانتهاء من مشروع ترميمها الذي نفذته شركة أركينوس تحت الإشراف الكامل للمجلس الأعلى للآثار، بتمويل من صندوق السفراء الأمريكي للحفاظ على التراث الثقافي.

تفاصيل مشروع الترميم

قام الوزير ومرافقوه بجولة داخل القبة الضريحية لتفقد الأعمال المنفذة. واستمعوا إلى شرح مفصل من أغنيشكا دوبروفولسكا حول مشروع الترميم الذي تم تنفيذه على مرحلتين. شملت المرحلة الأولى أعمال التوثيق والدراسات الأثرية بما في ذلك الرفع المعماري والدراسات الفنية والترميم الدقيق للقبة النحاسية وكرسي المقرئ. بينما تضمنت المرحلة الثانية أعمال الترميم والصيانة الشاملة للعناصر المعمارية والزخرفية باستخدام أحدث الأساليب العلمية والمواد المتوافقة مع الطبيعة الأثرية للمبنى.

جانب من الافتتاح
جانب من الافتاح

جانب من اللقاء
جانب من اللقاء

محطة جديدة في مسيرة التعاون بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية

أعرب شريف فتحي عن سعادته بافتتاح القبة الضريحية ومشروع ترميمها، مؤكداً أنه يمثل محطة جديدة في مسيرة التعاون المستمرة بين الحكومة المصرية، ممثلة في وزارة السياحة والآثار والمجلس الأعلى للآثار، والولايات المتحدة الأمريكية ممثلة في سفارتها بالقاهرة والحكومة الأمريكية. ويشمل هذا التعاون العديد من المجالات والمشروعات المشتركة التي تمتد لعقود.

وأوضح أن هذا التعاون لا يقتصر على مشروعات الترميم والحفاظ على التراث بل يمتد ليشمل أعمال البعثات الأثرية حيث تعمل في مصر نحو 50 بعثة أثرية أمريكية. كما تشمل البرامج بناء القدرات ودعم المجتمعات المحلية المحيطة بالمواقع الأثرية بما يتماشى مع توجه الوزارة نحو تعزيز الأمن الاقتصادي الأثري والسياحي وتعظيم العائد الاقتصادي والاجتماعي من التراث الثقافي وضمان استفادة المجتمعات المحلية من المشروعات الأثرية والسياحية.

وأشار الوزير إلى التعاون الوثيق بين مصر والولايات المتحدة في مكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية واسترداد الآثار التي خرجت من مصر بطرق غير مشروعة. وأوضح أنه خلال العام الماضي فقط استعادت مصر بالتعاون مع الحكومة الأمريكية حوالي 60 قطعة أثرية كانت قد خرجت بطرق غير مشروعة. وأعرب عن فخره بهذا التعاون الذي يسهم في إعادة التراث المصري إلى موطنه الأصلي باعتباره إرثاً يخص مصر والإنسانية جمعاء.

وفي ختام كلمته، أعرب الوزير عن تقديره لجميع القائمين على المشروع موجهًا الشكر إلى الجانب الأمريكي وإلى فرق العمل بالمجلس الأعلى للآثار من مرممين وخبراء وكوادر فنية. مؤكدًا أن ما يحققونه من إنجازات في مجال الحفاظ على التراث الثقافي يدعو للفخر ويعكس مستوى الخبرة والكفاءة لدى العاملين بالمجلس الأعلى للآثار.

وأضاف أن وزارة السياحة والآثار تواصل تنفيذ استراتيجيتها للحفاظ على التراث الثقافي المصري وصونه وفقًا لأحدث المعايير العلمية بما يسهم في إبراز المقومات الحضارية الفريدة لمصر وتعزيز تجربة الزائر.

وأكد روبرت سيلفرمان أن جهود الحفاظ على التراث الثقافي ليست مجرد توثيق للماضي بل جسراً إلى المستقبل مشيرًا إلى أن دعم الولايات المتحدة لمشروعات صون التراث يعكس التزامها بالحفاظ على التاريخ المشترك وتمكين المجتمعات المحلية وبناء مستقبل أكثر أمنًا وقوة وازدهارًا للبلدين.

وتؤكد الولايات المتحدة التزامها بالحفاظ على التراث الثقافي عبر صندوق السفير الأمريكي للحفاظ على التراث الثقافي وهو برنامج يوظف الموارد الأمريكية لحماية المباني التاريخية والآثار والمواقع الأثرية والمجموعات المتحفية والمقتنيات الإثنوغرافية وغيرها من أشكال التعبير الثقافي التقليدي. وفي مصر وحدها استثمرت الولايات المتحدة أكثر من 3.5 مليون دولار في 17 مشروعاً عبر هذا الصندوق مما يعكس التزاماً طويل الأمد بحماية الإرث الثقافي المصري الغني.

ولم يقتصر ترميم ضريح السلطان قايتباي على الحفاظ على قيمته المعمارية والتاريخية بل أسهم أيضًا في تنشيط المنطقة المحيطة به عبر جذب أعداد متزايدة من الزوار.

القبة الضريحية تعد إحدى أبرز جواهر العمارة المملوكية في القاهرة التاريخية

ومن جانبه أكد الدكتور هشام الليثي الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار أن ترميم القبة الضريحية للسلطان الأشرف قايتباي يمثل نموذجًا عالميًا لما يمكن تحقيقه عبر تكامل التعاون الدولي مع الخبرات المصرية. مشيرًا إلى أن القبة تعد إحدى أبرز جواهر العمارة المملوكية في القاهرة التاريخية وأن أعمال الترميم التي استغرقت خمس سنوات تجسد أعلى معايير الترميم العلمي والحفاظ الأثري مما يضمن حماية وصون المناطق الأثرية والتاريخية في مصر وفق منهج علمي متكامل.

وأضاف أن كل أثر يتم ترميمه ليس مجرد شاهد على الماضي بل يمثل جزءًا حيًّا من الهوية الوطنية والمستقبل الثقافي لمصر لافتًا إلى أن تجهيز القبة لاستقبال الباحثين والزائرين والمجتمع المحلي يعزز القيمة الحضارية لمنطقة صحراء المماليك.

وأوضح الدكتور ضياء زهران رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية بالمجلس الأعلى للآثار أن القبة الضريحية للسلطان الأشرف قايتباي تتمتع بقيمة تاريخية ومعمارية استثنائية إذ تُعد جزءًا من المجموعة المعمارية للسلطان التي تضم المسجد والسبيل والكُتّاب وحوش دفن العتقاء بالإضافة إلى قبة الكلشني (تربة أولاد السلطان) التي أنشأها السلطان قبل توليه الحكم.

وأضاف أن القبة الواقعة ملاصقة لإيوان القبلة تُعد من أبدع نماذج العمارة المملوكية بما تضمه من زخارف حجرية ونباتية دقيقة وأرضيات رخامية ملونة ومحراب غني بالزخارف المذهبة فضلًا عن القبة الحجرية الشهيرة التي يحيط برقبتها شريط كتابي بخط الثلث البارز يتضمن آيات قرآنية وينتهي بتاريخ إنشائها سنة 879هـ.

وأشار إلى أن القبة تضم قبر السلطان الأشرف قايتباي وقبر ابنه السلطان محمد قايتباي كما تحتضن حجرًا من البازلت الأسود يُقال إنه يحمل بصمات قدمي النبي محمد صلى الله عليه وسلم وكان محل زيارة وتبرك عبر العصور مما يضفي عليها قيمة تاريخية وروحية بالإضافة لقيمتها المعمارية والفنية.

ويأتي افتتاح قبة السلطان الأشرف قايتباي بعد الانتهاء من أعمال ترميمها ضمن جهود وزارة السياحة والآثار للحفاظ على التراث الثقافي المصري وتعزيز الاستفادة من المواقع الأثرية والتاريخية بما يسهم في إبراز ثراء القاهرة التاريخية ودعم مكانتها كواحدة من أهم المقاصد السياحية والثقافية في العالم.