تواصل الصين تعزيز احتياطياتها الاستراتيجية من الذهب، في خطوة تتجاوز مفهوم الاستثمار التقليدي في الأصول الآمنة. ويعكس هذا التوجه المتصاعد رغبة بكين العميقة في تنويع احتياطياتها النقدية وتقليل الاعتماد حصرياً على الدولار الأمريكي، بالتزامن مع مساعيها الجادة لفرض هيمنتها على مفاصل سوق الذهب العالمي وإعادة رسم خريطة القوى المالية والاقتصادية الدولية في ظل التغيرات والتوترات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم.

ما هي أهداف بكين من حيازة الذهب؟

تواصل الصين زيادة حيازتها الرسمية من المعدن الأصفر، وسط تساؤلات حول أهداف بكين من وراء هذه المشتريات، وما إذا كانت تتجاوز التحوط من المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية إلى تعزيز نفوذها في سوق الذهب وتسعيره.

وكشفت أحدث تحركات الصين عن إضافة البنك المركزي الصيني نحو 20 طنًا إلى احتياطياته خلال يوليو 2026، لترتفع حيازاته الرسمية إلى نحو 2377.5 طن، مسجلًا بذلك الشهر الـ21 على التوالي من شراء الذهب، وفقًا لبيانات مجلس الذهب العالمي.

الصين تستفيد من تجميد الحسابات الروسية في تنويع احتياطياتها.

أكد نائب رئيس شعبة الذهب والمجوهرات، المهندس لطفي المنيب، أن الصين مستمرة في شراء الذهب وزيادة احتياطياتها منه خلال الفترة الأخيرة. موضحًا أن تجربة روسيا بعد فرض العقوبات الغربية عليها وتجميد جزء كبير من احتياطياتها وأصول بنكها المركزي في الخارج، دفعت دولًا إلى إعادة النظر في طبيعة الاحتياطيات التي تحتفظ بها.

وأضاف في تصريحات صحفية، أن الصين تحاول من خلال زيادة مشترياتها من الذهب تنويع وتقوية احتياطياتها بعيدًا عن الدولار. لافتًا إلى أن الذهب يمثل أحد أهم الأصول التي يمكن الاعتماد عليها في هذا الاتجاه.

وأوضح أن الصين تسعى إلى تقليل مخاطر الاعتماد على عملة واحدة في احتياطياتها، خاصة مع تصاعد التوترات الجيوسياسية واستخدام العقوبات المالية كأداة للضغط الاقتصادي.

مخطط الصين لكسر هيمنة الغرب على أسواق الذهب.

تسعى الصين بخطى حثيثة لتعزيز مكانة هونج كونج كمركز إقليمي رائد لتداول الذهب، ضمن خطة استراتيجية أوسع تهدف إلى توسيع النفوذ المالي الآسيوي في سوق المعدن الأصفر.

وتستهدف بكين تكوين احتياطيات ضخمة قادرة على تلبية الاحتياجات المتنامية للأسواق الآسيوية، بالتوازي مع دعم التوجهات الاقتصادية الاستراتيجية لدول مجموعة «بريكس».

وفي هذا السياق، يشير الخبراء إلى أن أي تحرك مستقبلي نحو إطلاق عملة مشتركة بين دول التجمع يتطلب بالضرورة قاعدة صلبة من الأصول والاحتياطيات النقدية القوية لدعم هذه العملة وحمايتها. ويأتي الذهب ليحتل الصدارة كأحد أهم الركائز الأساسية المحتملة لهذه المنظومة المالية الجديدة.

وعلى الصعيد الجيوسياسي، تمضي الصين قدماً في تقليص اعتمادها التدريجي على مراكز التداول الغربية التقليدية، وفي مقدمتها أسواق الولايات المتحدة وأوروبا. متجاوزة ذلك نحو تمكين الأسواق الآسيوية من لعب دور محوري ومؤثر في عملية التسعير العالمي للذهب بما يعيد رسم خارطة القوة الاقتصادية الدولية لصالح الشرق.