لم يكن إعلان تأهيل عدد من المصارف العراقية للعودة إلى التعامل بالعملة الأجنبية مجرد خطوة مصرفية تقنية، بل يحمل أبعاداً سياسية واقتصادية متداخلة جاءت بعد تفاهمات بين بغداد ووزارة الخزانة الأميركية. يترقب الجميع ما إذا كانت هذه الإجراءات ستؤثر على سوق الصرف الذي لا يزال يشهد فجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية.
خلال زيارة رئيس مجلس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى الولايات المتحدة، تم الإعلان عن توصل العراق إلى تفاهم مع وزارة الخزانة الأميركية يقضي بتأهيل سبعة مصارف عراقية للعودة تدريجياً إلى قنوات المراسلة المصرفية الخارجية واستيفاء معايير الامتثال.
تأمل الحكومة العراقية أن يسهم إدخال مصارف جديدة إلى منظومة التحويلات الخارجية في تخفيف الضغوط على الدولار، بعدما واجه القطاع المصرفي خلال السنوات الماضية قيوداً أميركية مشددة بدعوى عدم الالتزام بمعايير الامتثال والشفافية.
غير أن خبراء يرون أن تأثير هذه الخطوة على سعر الصرف لن يكون متساوياً في التقديرات. إذ يعتقد فريق أنها ستعزز الثقة بالقطاع المصرفي وتدفع تدريجياً نحو تقليص الفجوة بين السعرين، بينما يعتبر آخرون أنها لن تمس الأسباب البنيوية التي تتحكم بارتفاع الدولار في السوق الموازية.
ويرى الخبير الاقتصادي نبيل العلي، لوكالة فرات للأنباء، أن عملية رفع القيود عن المصارف ليست وليدة المرحلة الحالية بل بدأت منذ حكومة محمد شياع السوداني، عندما كُلّفت شركة Oliver Wyman بتأهيل المصارف العراقية لتتوافق مع متطلبات النظام المصرفي العالمي.
ويشير العلي إلى أن عملية التأهيل استمرت أكثر من عام وشملت مراجعة الهياكل الإدارية والفنية والمالية للمصارف، وضمان امتثالها للمعايير الدولية بما يسمح لها بالانخراط في عمليات التحويل والتعامل بالدولار بصورة قانونية ومنظمة.
ويضيف أن دخول هذه المصارف إلى منظومة التعامل بالدولار سيمنحها القدرة على تنفيذ الحوالات الخارجية مثل بقية المصارف، لكنه لا يتوقع أن يقود ذلك إلى انخفاض ملموس في سعر الدولار داخل العراق.
ويؤكد العلي أن الأثر الأبرز سيكون نفسياً أكثر منه مالياً، إذ إن عودة المصارف ستبعث برسالة طمأنة إلى المواطنين والتجار بأن الضغوط المفروضة على القطاع المصرفي بدأت بالتراجع. وهو ما قد يحد من ظاهرة اكتناز الدولار التي تتفاقم عادة مع تزايد المخاوف من شح العملة الأجنبية.
كما يشدد العلي على أن السوق الموازية تحكمها عوامل أكثر تعقيداً من مجرد عدد المصارف المسموح لها بالتعامل بالدولار. ويرتبط أسباب الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق بملفات متعددة، ولذلك فإن أي انخفاض محتمل سيكون محدوداً ورمزياً، ولن يعالج المشكلة بصورة جذرية.
في المقابل، ينظر الخبير الاقتصادي عباس الجبوري إلى الخطوة باعتبارها جزءاً من برنامج إصلاح مالي أوسع يهدف إلى إعادة دمج القطاع المصرفي العراقي بالنظام المالي العالمي بعد سنوات من القيود والعزلة.
ويقول الجبوري لوكالة فرات للأنباء إن المصارف التي حصلت على الضوء الأخضر اجتازت متطلبات صارمة تتعلق بالحوكمة والشفافية والرقابة. وهو ما يعزز كفاءة عملها ويعيد بناء الثقة المحلية والدولية بالقطاع المصرفي العراقي.
ويرى الجبوري أن أهمية القرار لا تقتصر على الجانب الفني فقط، بل تمتد أيضاً إلى إعادة فتح قنوات المراسلة الخارجية أمام هذه المصارف. مما يسمح لها بالعمل مع المؤسسات المالية الدولية والاندماج بصورة أوسع في حركة التجارة العالمية.
ويعتقد الجبوري أن هذه التطورات ستنعكس تدريجياً على سوق الصرف. لأن زيادة عدد المصارف القادرة على تمويل التجارة الخارجية بالدولار ستوسع المنافذ الرسمية للحصول على العملة الأجنبية. الأمر الذي يقلل اعتماد المستوردين على السوق الموازية.
ويضيف أنه بانخفاض الطلب على الدولار خارج القنوات الرسمية سيساهم ذلك في تخفيف الضغط على السوق السوداء وبالتالي تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق. لكنه يشير إلى أن هذا التأثير لن يكون فورياً؛ لأن الاتفاق ينص على بدء التعامل عبر عملات أجنبية أخرى قبل العودة الكاملة للتعامل بالدولار. وهذا يعني أن السوق سيحتاج وقتًا لاستيعاب التغييرات الجديدة.
بينما تراهن الحكومة على أن إصلاح القطاع المصرفي سيكون مدخلاً لمعالجة الاختلالات النقدية، يبقى نجاح هذه الرؤية مرهوناً بقدرة بغداد على استكمال إصلاحات أوسع تشمل مكافحة تهريب العملة وتشديد الرقابة على التحويلات المالية وتعزيز الثقة بالقنوات المصرفية الرسمية؛ وهي ملفات لا تزال تمثل العامل الحاسم في رسم مسار سعر الصرف خلال المرحلة المقبلة.

