هل تخيلت يومًا شكل يوم القيامة؟ إن مجرد ذكر هذه العبارة يُدخل الإنسان في غياهب الخوف والذعر من المجهول. إنها طبيعة النفس البشرية التي تهاب ذلك اليوم وكل ما يتعلق به.
فماذا لو تعلق الأمر بذوبان نهر كامل؟ إنه نهر ثويتس الجليدي المعروف باسم “جليد يوم القيامة”، والذي يقع في القارة القطبية الجنوبية، وأصبح مؤخرًا يمثل كابوسًا يهدد العالم، بعد انتشار تقارير تشير إلى ذوبان جليد ذلك النهر بوتيرة متسارعة.
ما حقيقة ذوبان النهر الجليدي؟
بداية، لا يحبذ العلماء التعبيرات الإعلامية المثيرة للذعر التي أُطلقت على نهر ثويتس الجليدي في القطب الجنوبي، ومن بينها “نهر يوم القيامة”.
وكشفت دراسات حديثة أن التقارير المتواترة عن كارثة وشيكة بسبب انفصال أجزاء منه قد تكون مبالغًا فيها؛ حيث إن ذوبان هذا الجليد يسهم بنسبة ضئيلة في ارتفاع مستوى سطح البحر العالمي. كما كشفت أبحاث علمية أن ذوبان الجزء العائم من هذا الجليد لن يؤدي إلى ارتفاع مباشر في مستوى البحار، مؤكدة أن هذه العملية الطبيعية لا تشكل خطرًا فوريًا على المناطق الساحلية كما يروج البعض، وأن العالم لا يواجه خطرًا وجوديًا فوريًا بسبب هذا الجليد. وأكدت أن السياسات المناخية الواعية هي السبيل الوحيد للتعامل مع التحديات التي يفرضها الاحترار العالمي على المدى الطويل والشامل.
حجم نهر بحجم ولاية فلوريدا الأمريكية
يبلغ حجم نهر ثويتس الجليدي حجم ولاية فلوريدا، وإذا ذاب بالكامل، فسيؤدي ذلك بالفعل إلى ارتفاع مستوى سطح البحر بمقدار قدمين، بحسب تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية.
ويتكون نهر ثويتس الجليدي من جليد صلب، لكن بفعل الجاذبية يتحرك نحو مستوى سطح البحر، كسائل كثيف وثقيل.
يبدأ جليد ثويتس من أرض القارة القطبية الجنوبية، ولكنه يتدفق بعيدًا في البحر حتى أن حافة النهر الجليدي تبرز متجاوزة الصخور الأساسية، لتصبح لسانًا جليديًا يطفو على الأمواج. هذا التراجع والذوبان يمكن أن يزعزع استقرار النهر الجليدي بشكل لا رجعة فيه، مما يتسبب في انزلاق مساحات كبيرة من جليده إلى المحيط وذوبانها.
وتوضح الدراسات أن مساحة هذا الجليد الشاسعة لا تعني بالضرورة حدوث انهيار مفاجئ؛ مؤكدًة أن معدلات حركته الحالية تظل ضمن النطاقات التي يدرسها العلماء دون توقعات بوقوع سيناريوهات كارثية تنهي الحياة على كوكبنا.
وأظهرت البيانات أن ارتفاع مستوى سطح البحر منذ مطلع القرن الماضي يعود بشكل أكبر إلى تمدد المياه بفعل الحرارة، وأشارت إلى أن ذوبان الجليد يظل عاملاً ثانوياً مقارنة بالتغيرات الكيميائية والفيزيائية التي تشهدها المحيطات.
توقعات أكثر تشاؤمًا بشأن ذوبان الجليد
تشير التوقعات الأكثر تشاؤمًا إلى استغراق عملية الذوبان الكامل مئات السنين، مشيرة إلى أن التمدد الحراري للمحيطات بسبب الاحتباس الحراري يعد المحرك الأساسي لارتفاع مستويات المياه وليس ذوبان الجليد فقط.
وأكد الخبراء أن التركيز على التغيرات المناخية يجب أن يتجه نحو معالجة الأسباب الجذرية للاحتباس الحراري، موضحة أن تضخيم مخاطر جليد يوم القيامة يشتت الانتباه عن التحديات البيئية الأكثر إلحاحًا وتأثيرًا على المدى القريب.
وأوضحت الدراسات أن المراقبة المستمرة لهذا النهر الجليدي تهدف إلى فهم ديناميكيات القطب الجنوبي، وشددت على ضرورة الاعتماد على الأرقام الدقيقة بعيدًا عن التوقعات الدرامية التي لا تستند إلى أساس علمي صلب وموثق.
دراسة سرعة الذوبان في نهر ثويتس
وعلى صعيد متصل، يخطط الباحثون على متن كاسحة الجليد “أراون” لدراسة جليد ثويتس والبحار المحيطة به لتقدير مدى سرعة انهيار النهر الجليدي. لكن العلماء يقولون إن مصير نهر ثويتس الجليدي قد لا يكون بهذا السيناريو المأساوي. ويؤكدون أنه من خلال خفض انبعاثات الكربون التي تُسبب تغير المناخ، قد نتمكن من حماية النهر الجليدي من الذوبان.
غير أن معظم الدول لا تسير على المسار الصحيح لتحقيق ذلك. فعلى الصعيد العالمي، ارتفعت انبعاثات الوقود الأحفوري إلى مستويات قياسية في عام 2025، ولا تظهر أي مؤشرات على انخفاضها. وقد وجدت دراسة حديثة أنه ربما فات الأوان بالفعل لمنع ذوبان الجروف الجليدية في هذا الجزء من ساحل القارة القطبية الجنوبية إلى حد ما.

