انطلقت اليوم الأحد أول موجة حر في فصل الصيف بـ إسبانيا، محطمةً أرقاماً قياسية جديدة، حيث تتوقع هيئة الأرصاد الجوية أن يشهد شهر يونيو الحالي أعلى درجات حرارة منذ عام 1950، في ظاهرة تعكس بوضوح تسارع وتيرة التغير المناخي وتأثيراته المتزايدة على حياة الملايين.

وتُعد هذه الموجة، التي تضرب معظم أنحاء شبه الجزيرة الإيبيرية وجزر البليار ، امتداداً لشهر مايو الذي شهد بالفعل درجات حرارة مرتفعة بشكل غير مسبوق، وأسفر عن وفاة 101 شخصاً وفقاً لنظام مراقبة الوفيات اليومية، وهو أعلى رقم يسجل في شهر مايو منذ بدء استخدام النظام عام 2015.

 

27 مليون شخص تحت وطأة الحرارة

مع بداية الموجة، رفعت وزارة الصحة الإسبانية مستوى التحذير إلى خطر متوسط أو مرتفع في 86 منطقة مناخية، تشمل 5,266 بلدية يسكنها نحو 21.9 مليون شخص، أى ما يعادل 46% من السكان.

ويتوقع خبراء الأرصاد أن تستمر موجة الحر حتى منتصف الأسبوع، على أن تبدأ درجات الحرارة في الانخفاض تدريجياً اعتباراً من يوم الخميس، وإن كان هذا الانخفاض سيكون أكثر وضوحاً في المناطق الغربية ومنطقة كانتابريا مقارنة بمنطقة البحر الأبيض المتوسط.

 

موجات الحر تتسارع وتيرتها

تكشف بيانات هيئة الأرصاد الجوية الإسبانية (Aemet) تحولاً دراماتيكياً في وتيرة موجات الحر خلال السنوات الأخيرة، فبين عامي 1975 و2000، سجلت إسبانيا موجتي حر فقط خلال شهر يونيو. أما بين عامي 2000 و2025، فقد قفز العدد إلى عشر موجات، أي خمسة أضعاف. كما أن بداية موسم موجات الحر تتقدم في التقويم بمعدل أربعة أيام كل عقد، مما يطيل فترة الصيف الحار، وفقاً لتقييم المخاطر والآثار الناجمة عن التغير المناخي في إسبانيا.

وتشير الإحصاءات إلى أن من بين 78 موجة حر سجلتها الهيئة في شبه الجزيرة الإيبيرية على مدى 50 عاماً، وقعت 31 منها (أي 40%) بين عامي 2015 و2025. ولم تتزايد وتيرتها فحسب، بل امتدت أيضاً لفترات أطول، حيث استمرت كل موجة في العقد الأخير بمعدل 7.2 أيام مقابل 5 أيام في الأربعين عاماً السابقة، أي بزيادة نسبتها 30%.

 

تغير المناخ يغذى الحرائق

كان صيف العام الماضي الأكثر حراً في إسبانيا، متساوياً مع صيف 2022، وشهد ثلاث موجات حر شديدة، كانت آخرها – التي استمرت 16 يوماً – السبب الرئيسي وراء موجة حرائق ضخمة أتت على أكثر من 300 ألف هكتار، وهي الأسوأ منذ تسعينيات القرن الماضي.

ويؤكد العلماء أن التغير المناخي، الناتج عن حرق الوقود الأحفوري، هو المحرك الأساسي لهذه الظواهر المتطرفة. وقد أظهرت دراسة نشرت في مجلة “نيتشر” العلمية أن الانبعاثات التاريخية لأكبر 180 شركة في قطاع النفط والغاز والفحم والأسمنت مسؤولة عن نصف الزيادة في شدة موجات الحر على مستوى العالم، وأن ربع الموجات التي وقعت بين 2000 و2023 كانت مستحيلة دون المستوى الحالي من الاحترار.

 

أرقام قياسية متلاحقة

يشير كارلو بونتيمبو، مدير خدمة التغير المناخي في نظام كوبرنيكوس الأوروبي، إلى أن السنوات الأحد عشر الأكثر حراً على مستوى العالم حدثت جميعها في الأعوام الأحد عشر الأخيرة، وهو دليل قاطع على الاحترار العالمي الناجم عن النشاط البشري. وفي إسبانيا، ارتفع متوسط درجات الحرارة 1.75 درجة مئوية منذ عام 1961.
ويُعد عام 2024 الأكثر حراً في التاريخ، لكن يتوقع أن يحطم هذا الرقم قريباً مع بداية ظاهرة “إل نينيو” المناخية. ويعتقد بونتيمبو أنه “من المحتمل جداً أن يتم تسجيل رقم قياسي جديد خلال الـ12 إلى 18 شهراً القادمة”، مضيفاً أن عام 2027 قد يكون الأكثر ترشيحاً لكسر الرقم القياسي.