يخوض منتخب النرويج الليلة واحدة من أهم مبارياته في تاريخه الحديث، حيث يلتقي مع منتخب إنجلترا على ملعب ميامي، ضمن منافسات الدور ربع النهائي من بطولة كأس العالم 2026. وتنطلق المباراة في الحادية عشرة مساءً بتوقيت القاهرة، ويتأهل الفائز منها إلى المربع الذهبي.

وصل المنتخب النرويجي إلى هذه المرحلة بعد تقديم بطولة استثنائية، كان أبرز فصولها الفوز على البرازيل بنتيجة 2-1 في دور الـ16، ليصبح الفريق القادم من شمال أوروبا واحدًا من أبرز مفاجآت المونديال. ويستفيد المنتخب من القوة الهجومية التي يمنحها له مهاجمه إيرلينغ هالاند، الذي سجل 7 أهداف خلال أول أربع مباريات له في البطولة.

بينما تترقب الجماهير ما سيقدمه هالاند ورفاقه أمام المنتخب الإنجليزي، تعيد مشاركة النرويج القوية في كأس العالم الاهتمام بتاريخ هذه الدولة وثقافتها، وبالأسماء التي تركت أثرًا عالميًا في الأدب والمسرح، وفي مقدمتها الكاتب المسرحي هنريك إبسن، أحد أشهر الكتّاب النرويجيين وأكثرهم تأثيرًا في تاريخ المسرح الحديث.

هنريك إبسن

ولد هنريك يوهان إبسن في 20 مارس عام 1828 بمدينة شين النرويجية. نشأ في أسرة ميسورة الحال قبل أن تتعرض لخسائر مالية أثرت في حياته وتكوينه النفسي. بدأ اهتمامه بالمسرح في شبابه، ثم عمل كاتبًا ومخرجًا مسرحيًا قبل أن يغادر النرويج ليعيش سنوات طويلة في إيطاليا وألمانيا حيث كتب عددًا كبيرًا من أعماله المهمة.
ويحتل إبسن مكانة مركزية في الأدب النرويجي ويُعد واحدًا من أبرز صناع المسرح الحديث؛ فقد أسهمت أعماله في تطوير الدراما الواقعية وحولت المسرح إلى مساحة لمناقشة مشكلات الأسرة والمجتمع والسلطة والأخلاق وحرية الفرد. وما زالت مسرحياته تعرض على مسارح العالم ويأتي ضمن أكثر كتّاب المسرح تقديمًا بعد وليام شكسبير.

بيت الدمية: المسرحية التي أحدثت جدلًا عالميًا

تعد مسرحية «بيت الدمية»، التي صدرت عام 1879، أشهر أعمال هنريك إبسن وأكثرها انتشارًا. تدور أحداثها حول نورا، الزوجة التي تبدو سعيدة داخل بيتها ثم تكتشف تدريجيًا أن حياتها قامت على مجموعة من الأدوار الاجتماعية المفروضة عليها.

طرحت المسرحية أسئلة حول علاقة الرجل بالمرأة ومكانة الزوجة داخل الأسرة وحق الإنسان في اكتشاف ذاته واتخاذ قراراته. وأصبح خروج نورا من منزلها في نهاية المسرحية واحدًا من أشهر المشاهد في تاريخ المسرح لما حمله من مواجهة مباشرة مع التصورات الاجتماعية السائدة في القرن التاسع عشر.
ساعدت «بيت الدمية» على انتشار اسم إبسن خارج النرويج وأصبحت من أكثر مسرحياته عرضًا وترجمة، إلى جانب حضورها المستمر في الدراسات التي تتناول قضايا المرأة والأسرة والحرية الفردية.

عدو الشعب: الفرد في مواجهة المدينة

في مسرحية «عدو الشعب»، الصادرة عام 1882، تناول إبسن قصة طبيب يكتشف تلوث المياه في الحمامات العامة التي تعتمد عليها مدينته اقتصاديًا. يسعى الطبيب إلى إعلان الحقيقة لكنه يصطدم بأصحاب المصالح والسلطات المحلية وقطاع من سكان المدينة.
تناقش المسرحية الصراع بين الحقيقة والمصلحة وبين موقف الفرد وضغط الجماعة كما تطرح أسئلة حول دور الصحافة والسلطة والرأي العام. حافظت المسرحية على حضورها عبر أزمنة مختلفة بسبب ارتباط موضوعها بقضايا الفساد والمسؤولية وحرية التعبير.

بير جنت: رحلة البحث عن الذات

قدم إبسن مسرحية «بير جنت» عام 1867 وهي عمل شعري مسرحي يستند إلى الحكايات الشعبية والأساطير النرويجية ويتتبع رحلة بطل يطوف في أماكن متعددة هربًا من مواجهة ذاته ومسؤوليته عن اختياراته.

تجمع المسرحية بين الخيال والفلسفة والسخرية كما تقدم صورًا من الطبيعة والتراث الشعبي النرويجي. وتحولت «بير جنت» إلى واحدة من أشهر الأعمال المرتبطة بالهوية الثقافية للنرويج خاصة بعد الموسيقى التي وضعها المؤلف النرويجي إدفارد جريج للعمل. وتصنف المكتبة الوطنية النرويجية بين أشهر مسرحيات إبسن وأكثرها حضورًا على خشبات المسرح.

الأشباح وهيدا جابلر

ومن أعمال إبسن المهمة مسرحية «الأشباح» التي ناقشت تأثير أسرار الماضي وأخطاء الآباء على حياة الأبناء وكشفت عن التناقض بين الصورة الاجتماعية التي تحافظ عليها العائلات وبين الحقائق المختبئة داخل البيوت.

كما كتب مسرحية «هيدا جابلر» التي قدم من خلالها واحدة من أكثر الشخصيات النسائية تعقيدًا في تاريخ المسرح وهي امرأة تشعر بالاختناق داخل حياتها الزوجية والاجتماعية وتحاول التأثير على مصائر المحيطين بها. جاءت هذه الأعمال ضمن مرحلة اتجه فيها إبسن لدراسة الصراعات النفسية للإنسان بعد اهتمامه المبكر بالنقد الاجتماعي المباشر.