يتجدد أحد أعرق الصراعات الكروية في العالم، عندما يلتقي منتخبا إنجلترا والأرجنتين، مساء الأربعاء، على ملعب مرسيدس بنز في أتلانتا، لحسم هوية المتأهل إلى نهائي كأس العالم 2026. لن تكون المباراة مجرد مواجهة بين منتخبين كبيرين، بل ستشكل امتداداً لواحدة من أكثر الخصومات تعقيداً وإثارة في تاريخ كرة القدم، وهي منافسة امتدت لأكثر من 64 عاماً، واختلطت فيها كرة القدم بالسياسة والتاريخ والجدل التحكيمي، وصنعت أسماء خالدة مثل دييغو مارادونا وديفيد بيكهام ومايكل أوين.

خلال خمس مواجهات جمعتهما في نهائيات كأس العالم، فازت إنجلترا ثلاث مرات مقابل انتصارين للأرجنتين. لكن الصورة تختلف في الأدوار الإقصائية؛ إذ تأهل المنتخب الأرجنتيني مرتين على حساب الإنجليز في 1986 و1998، بينما حققت إنجلترا انتصارها الوحيد في الأدوار الإقصائية خلال مونديال 1966.

تعود أول مواجهة بين المنتخبين في كأس العالم إلى الثاني من يونيو (حزيران) 1962 في مدينة رانكاغوا التشيلية، عندما دخل المنتخبان اللقاء في الجولة الثانية من دور المجموعات وسط أجواء مشحونة. كانت إنجلترا قد خسرت مباراتها الافتتاحية أمام المجر، بينما وصلت الأرجنتين إلى المباراة بعد فوز صعب على بلغاريا، وصفته الصحافة البريطانية آنذاك بأنه امتلأ بالعرقلة والالتحامات العنيفة. وفي تلك الفترة كانت المخاوف تتزايد من تحول كأس العالم إلى بطولة يغلب عليها العنف أكثر من المهارة، خصوصاً بعد سلسلة من المباريات التي شهدت إصابات واحتكاكات عنيفة.

دخل المنتخب الأرجنتيني المباراة مثقلاً بالإصابات بعدما فقد أربعة من عناصره الأساسية، ثم خسر خلال اللقاء المدافع راؤول بيلين إثر إصابة في الأضلاع. وفي المقابل، اتخذ مدرب إنجلترا والتر وينتربوتوم قراراً جريئاً بالدفع بالمهاجم الشاب آلان بيكوك أساسياً. وكان بيكوك قد خاض أول مباراة دولية له في نهائيات كأس العالم ليصبح واحداً من لاعبين فقط حققا هذا الإنجاز مع المنتخب الإنجليزي.

حصلت إنجلترا على ركلة جزاء بعد تصدٍ باليد من روبين نافارو لتسديدة بيكوك، سجل منها رون فلاورز الهدف الأول. ثم أضاف بوبي تشارلتون وجيمي غريفز هدفين آخرين لتنتهي المباراة بفوز إنجلترا 3 – 1.

برز خلال اللقاء المدافع الشاب بوبي مور الذي كان يبلغ 21 عاماً فقط حينها، وعدته الصحافة آنذاك مشروع قائد تاريخي للمنتخب الإنجليزي وفقاً لصحيفة «التلغراف» البريطانية. كما لفت الحكم السوفياتي نيكولاي لاتيشيف الأنظار بإدارته الصارمة للمباراة حيث فرض الانضباط مبكراً.

بعد أربع سنوات فقط، التقى المنتخبان مجدداً هذه المرة في ربع نهائي كأس العالم على ملعب ويمبلي في لندن. قبل المباراة كان «فيفا» قد وجه تحذيراً إلى المنتخب الأرجنتيني بسبب سلوك لاعبيه خلال دور المجموعات بعدما تعرض المدافع رافائيل ألبريشت للطرد أمام ألمانيا الغربية.

في الدقيقة 35 تقريباً، أشهر الحكم الألماني رودولف كرايتلين البطاقة الحمراء في وجه قائد الأرجنتين أنطونيو راتين بداعي الاعتراض والإساءة إليه رغم أنه لم يكن يتحدث الإسبانية مما أثار احتجاجات واسعة من الجانب الأرجنتيني. رفض راتين مغادرة الملعب وجلس على السجادة الحمراء التي كانت مخصصة للملكة إليزابيث الثانية قبل أن يتدخل رجال الشرطة لإخراجه وسط حالة من الفوضى.

سجل جيف هيرست هدف الفوز لإنجلترا لكن ما بقي في الذاكرة كان تصريح المدرب الإنجليزي ألف رامسي الذي رفض السماح للاعبيه بتبادل القمصان مع المنافس ووصف المنتخب الأرجنتيني بأنهم «حيوانات». ورغم أن رامسي أوضح لاحقاً أنه كان يقصد أسلوب اللعب وليس الأشخاص قائلاً إن الأرجنتين تمتلك مواهب كبيرة لكنها تهدرها بهذا الأسلوب إلا أن عبارته أثارت عاصفة من الغضب في أميركا الجنوبية.

اجتمعت اتحادات الأرجنتين والبرازيل وأوروغواي وتشيلي لمناقشة ما وصفته بسوء التحكيم الأوروبي وطرحت أفكار بمقاطعة «فيفا». أما صحيفة «كرونيكا» الأرجنتينية فأعادت تصميم تميمة البطولة «ويلي الأسد» بشكل قرصان يحمل رقعة على العين وعكازاً كإشارة ساخرة إلى البريطانيين الذين كانت تطلق عليهم الصحافة الأرجنتينية لقب «القراصنة».

إذا كانت مباراة 1966 صنعت العداء فإن مواجهة ربع نهائي مونديال 1986 حولته إلى أسطورة كروية. جاء اللقاء بعد أربع سنوات فقط من حرب فوكلاند ولذلك حمل أبعاداً سياسية وشعبية كبيرة رغم محاولات المدرب الإنجليزي بوبي روبسون إبعاد لاعبيه عن تلك الأجواء.

قبل المباراة حذر جلين هودل من خطورة دييغو مارادونا مؤكداً أن اللاعب تطور كثيراً مقارنة بمشاركته في مونديال 1982 بينما رفض روبسون التعامل مع المباراة بوصفها امتداداً للحرب قائلاً: «أنا مدرب كرة قدم ولست سياسياً».

في لفتة لافتة قدم لاعبو الأرجنتين هدايا تذكارية إلى لاعبي إنجلترا قبل انطلاق اللقاء لكن كل تلك الأجواء اختفت في الدقيقة 51 عندما سبق مارادونا الحارس بيتر شيلتون إلى الكرة ولكمها بيده داخل الشباك بينما احتسب الحكم التونسي علي بن ناصر الهدف وسط احتجاجات إنجليزية.

بعد أربع دقائق فقط انطلق مارادونا من منتصف الملعب مراوغاً خمسة لاعبين ليسجل ما عُد لاحقاً «هدف القرن». قلص غاري لينيكر الفارق ولكن خسرت إنجلترا 2 – 1 وغادرت البطولة. وبعد المباراة رفض مارادونا الاعتراف الصريح باستخدام يده مكتفياً بالقول إن الهدف جاء نتيجة مزيج من لمسة يده ورأسه مما أثار جدلاً واسعاً وأسهم في تخليد تلك اللقطة بوصفها أشهر واقعة تحكيمية في تاريخ كأس العالم.

كانت مواجهة ثمن النهائي في مونديال فرنسا واحدة من أكثر المباريات إثارة في تاريخ البطولة. دخلت إنجلترا اللقاء بعد تجاوز دور المجموعات مع بروز موهبتين شابتين هما مايكل أوين وديفيد بيكهام بينما كان المدرب جلين هودل يرى أن فريقه قادر على الثأر لهزيمة 1986.

سجل أوين واحداً من أجمل أهداف كأس العالم بعد انطلاقة مذهلة وانتهى الشوط الأول بالتعادل 2 – 2. لكن بداية الشوط الثاني شهدت اللحظة التي غيرت مسيرة ديفيد بيكهام إلى الأبد بعدما رد على استفزاز دييغو سيميوني بحركة بسيطة تجاه ساقه ليشهر الحكم الدنماركي كيم ميلتون نيلسن البطاقة الحمراء.

أكملت إنجلترا أكثر من 70 دقيقة بعشرة لاعبين قبل أن تخسر بركلات الترجيح 4 – 3. وبينما قال هودل إن بيكهام ارتكب خطأً ساذجاً لكنه لم يكن يستحق أكثر من بطاقة صفراء شنّ الإعلام والجماهير الإنجليزية حملة قاسية على لاعب مانشستر يونايتد الذي تحول إلى «كبش فداء» للخروج من البطولة.

ودافع عنه مدربه أليكس فيرغسون مؤكداً أن ما فعله «لم يكن ليكسر حتى بيضة» منتقداً الطريقة التي تعامل بها الإعلام مع اللاعب. بعد أربع سنوات عاد بيكهام قائداً لإنجلترا لكن مشاركته نفسها كانت محل شك بعد إصابته بكسر في مشط القدم قبل أسابيع قليلة من البطولة. وبعد سباق مع الزمن قاد منتخب بلاده أمام الأرجنتين في دور المجموعات بمباراة وصفتها الصحافة اليابانية بأنها الأكثر انتظاراً منذ مواجهة ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية عام 1974.

جاءت اللحظة الحاسمة عندما احتسب الحكم الإيطالي بييرلويجي كولينا ركلة جزاء بعد عرقلة مايكل أوين بواسطة المدافع ماوريسيو بوكيتينو وتقدم بيكهام ليسجل الهدف الوحيد مانحًا إنجلترا فوزًا عدّه كثيرون ثأراً شخصياً لقائدها بعد أحداث 1998.

ورغم سيطرة الأرجنتين على الكرة فإنها فشلت في إدراك التعادل قبل أن تودع البطولة من دور المجموعات بينما واصلت إنجلترا مشوارها حتى ربع النهائي.

بعد ثلاث سنوات التقى المنتخبان ودياً بمدينة جنيف السويسرية وكانت المباراة واحدة من أكثر المباريات الودية إثارةً في العقد الأول من الألفية. تقدمت الأرجنتين 2 – 1 حتى الدقائق الأخيرة لكن مايكل أوين سجل هدف التعادل ثم عاد ليحرز هدف الفوز 3 – 2 مما شكل واحدةً من آخر لياليه الكبيرة بقميص المنتخب الإنجليزي.

شهدت تلك المباراة غياب ليونيل ميسي الذي كان يبلغ حينها ثمانية عشر عاماً بسبب إيقافه عقب طرده بعد سبع وأربعون ثانية فقط من ظهوره الأول مع المنتخب الأرجنتيني. واليوم وبعد أكثر من عقديين على آخر مواجهة رسمية بينهما تعود الخصومة إلى المسرح الأكبر وبين جيل مارادونا وبيكهام وجيل ميسي الذي غاب عن الفصل الأخير وجيل مبابي وبيلنغهام الذي يقود النسخة الحالية يبقى التاريخ حاضراً بقوة ضمن مواجهة اعتادت كتابة فصول لا تُنسى ضمن سجل كأس العالم.