Published On 13/7/2026.
في بطولة تركز عادة على الهدافين والنجوم اللامعين، استطاع المدافع الإنجليزي دان بيرن أن يبرز كبطل من نوع خاص. لم يكن بحاجة إلى تسجيل الأهداف أو إظهار مهارات استثنائية ليجذب الأنظار، بل حقق ذلك من خلال سلسلة من التدخلات الدفاعية الحاسمة التي أسهمت في قيادة إنجلترا إلى الدور نصف النهائي لكأس العالم 2026.
بينما يتابع المشجعون أداءه في أكبر محفل كروي، تعيد مسيرته إلى الأذهان قصة لاعب تم الاستغناء عنه من نادي طفولته في سن مبكرة، قبل أن يعود بعد سنوات ليصنع واحدة من أكثر الحكايات إلهاماً في البطولة، حيث أعاد بناء مسيرته خطوة بخطوة حتى وصل إلى المنتخب الإنجليزي في عمر لم يكن يتوقع فيه الكثيرون أن يتحقق هذا الحلم.
من الهامش إلى قلب المشهد
بدأت قصة بيرن في المونديال بلحظتين دفاعيتين اختزلتا قيمته داخل المنتخب الإنجليزي. ففي مباراة دور الـ16 أمام المكسيك، كادت ركلة مقصية أن تستقر في زاوية المرمى الإنجليزي خلال المحاولة الأخيرة لأصحاب الأرض لإدراك التعادل وسط تشجيع صاخب من نحو 90 ألف متفرج احتشدوا في ملعب أزتيكا. لكن بيرن ارتقى فوق الجميع وأبعد الكرة برأسه، ليحافظ على تقدم منتخب بلاده.
بعد ستة أيام، تكرر المشهد في مواجهة النرويج ضمن الدور ربع النهائي. بينما كانت إنجلترا تدافع عن تقدمها 2-1 في الشوط الإضافي الثاني، اندفع بيرن نحو المدافع النرويجي ليو أوستيغارد لمواجهة كرة هوائية جديدة، ونجح في إبعادها بضربة رأس قوية قبل أن يتجاوز منافسه ويصرخ باتجاه الجماهير، مما جسّد حضوره الحاسم في البطولة. بهذه اللقطتين، أعلن بيرن عن وجوده في كأس العالم.
دقائق قليلة صنعت بطلاً
لم يمضِ بيرن سوى دقائق معدودة على أرض الملعب عندما دفع به المدرب توماس توخيل بشكل مفاجئ في مباراة دور الـ16 أمام المكسيك بعد طرد جاريل كوانساه.
كانت إنجلترا متقدمة 3-2 لكنها وجدت نفسها تحت ضغط هائل في الدقائق الأخيرة مع اعتماد المكسيك على الكرات العرضية العالية بحثاً عن هدف التعادل.
غير أن دخول بيرن غير شكل المواجهة. فقد فاز بالصراعات الهوائية وأبعد الخطر بشكل متكرر وساعد منتخب بلاده على الصمود أمام موجة الضغط المكسيكية، ليصبح أحد أبرز أسباب الحفاظ على الانتصار والتأهل.
في مباراة النرويج، واصل المدافع الإنجليزي الدور نفسه إذ ساعد المنتخب على تجاوز معركة بدنية متوترة وحجز مكانه في الدور نصف النهائي.
وبحسب إحصاءات “أوبتا” أبعد بيرن الكرة 9 مرات واعترضها مرتين خلال مباراتيه في البطولة، مما يعكس تأثيره الدفاعي خلال ظهوره الأول في كأس العالم.
نجومية ولدت من رحم الرفض
على عكس العديد من نجوم كأس العالم الذين تبدأ حكاياتهم من أكاديميات الأندية الكبرى والموهبة المبكرة، بدأت قصة بيرن بالرفض. بعد أن استغنى عنه نادي نيوكاسل يونايتد وهو لاعب صغير، اضطر لشق طريقه بعيداً عن الأضواء حيث أعاد بناء مسيرته عبر الدرجات الأدنى لكرة القدم الإنجليزية.
لعب بيرن مع دارلينغتون في دوري المؤتمر ودوري الدرجة الرابعة قبل أن يحصل على فرص للظهور مع فولهام وويغان وبرايتون آند هوف ألبيون.
وعندما عاد إلى نيوكاسل عام 2022 لم يكن كثيرون يتوقعون أن تنتظره محطة أخرى على المستوى الدولي. ولم يكن أحد تقريباً يتوقع أن يخوض أول مباراة له في كأس العالم وهو بهذا العمر ليصبح رابع أكبر لاعب يشارك لأول مرة مع منتخب إنجلترا بعمر 34 عاماً و58 يوماً.
قال بيرن بعد وصوله إلى أمريكا الشمالية ضمن قائمة توخيل: “لو سألتموني عندما كنت ألعب مع دارلينغتون إذا كنت سأصل إلى هنا لربما أجبت بالنفي خاصةً في هذا العمر”.
العمر مجرد رقم
في كرة القدم الحديثة حيث تتركز الأضواء على اللاعبين الشباب وأصحاب القيم السوقية الضخمة يمثل بيرن نموذجاً مختلفاً. فمسيرته لا تقوم على الانطلاقة المبكرة أو الصعود السريع بل على القدرة على تجاوز العقبات والاستمرار رغم اللحظات الصعبة. وخلال الأسابيع الأولى من البطولة عاش بيرن تجربة كان يتابعها سابقًا من بعيد فقط. فقد استعاد ذكريات كأس العالم عام 2002 باعتبارها إحدى أولى ذكرياته الكروية وقال إنه لا يزال يشعر بأن وجوده ضمن قائمة منتخب إنجلترا لا يزال أمراً غير واقعي.
وتحدث عن تفاصيل عاشها للمرة الأولى بدءًا من الاحتفال مع الجماهير بعد الانتصارات وصولاً إلى غناء أغنية “وندر وول” الشهيرة لفرقة أواسيس عقب الفوز على كرواتيا في المباراة الأولى مؤكداً أنه حاول الاستمتاع بكل لحظة خلال أول بطولة كبرى يشارك فيها.
ثقة توخيل وولادة نجم غير متوقع
كانت مباراة المكسيك نقطة التحول الحقيقية لمسيرة بيرن داخل البطولة. فعقب طرد كوانساه احتاجت إنجلترا إلى لاعب قادر على التعامل مع الكرات العالية والحفاظ على التقدم أمام جمهور مكسيكي تجاوز عدده 90 ألف مشجع.
ورغم أن قرار توخيل بإشراك بيرن أثار استغراب بعض المتابعين إلا أن المدرب الألماني وثق بقدرات المدافع المخضرم ولم يخيب بيرن هذه الثقة إذ قدم أداءً دفاعياً قوياً وفاز بالكرات المشتركة وأبعد الخطورة وساعد إنجلترا لتجاوز واحدة من أصعب فترات المباراة.
هذا الأداء جعله بطلاً غير متوقع لدى الجماهير كما تحول إلى حديث مواقع التواصل الاجتماعي حيث اقترح أحد المشجعين عبر منصة “إكس” أن يحصل بيرن على موسيقى دخول خاصة به مصحوبة بعرض ضوئي عند مشاركته مما يعكس الشعبية التي اكتسبها خلال أيام قليلة.

