Published On 10/7/2026.

لم تكن شاشات العرض المؤقتة التي انتشرت في أرجاء قطاع غزة مجرد وسيلة لمتابعة مباريات كأس العالم، بل تحولت إلى متنفس جماعي وملاذ للمئات من الفلسطينيين الفارين من قسوة الواقع في القطاع المدمر. ومن بين الركام والخيام والمنازل المهدمة، تتدفق آلاف الجماهير من الشباب والنساء والأطفال متناسين جراحهم لبعض الوقت، بل إن بعضهم اعتلى أنقاض المباني التي سوتها بالأرض غارات الاحتلال الإسرائيلي المستمرة منذ أكثر من عامين، للظفر بلمحة من المباريات في عروض عامة وصفت بأنها تعيد التذكير بأن “الفرح لا يزال ممكناً” في بقعة جغرافية حوصرت بالموت والدمار.

وتتجسد هذه المعاناة في التفاصيل اليومية لإنسان القطاع؛ فالخروج من الخيمة المكدسة بالنازحين أو الصعود فوق ركام المنزل المهدم للبحث عن إشارة بث تلفزيوني هو في حد ذاته رحلة شاقة تعكس الإصرار على التمسك بالحياة وسط بيئة تفتقر لأبسط المقومات الآدمية. ويقول الشاب أحمد حلاوة (23 عاماً) متحدثاً لصحيفة “فاينينشال تايمز”: “من المستحيل بالطبع نسيان الحرب تماماً، ولكن مشاهدة كرة القدم معاً تجعلنا أقدر على التعامل مع الألم والاسترخاء، ولو لفترة وجيزة”. وهو ما يؤكده براء القيسي (18 عاماً) حيث يرى في البطولة فرصة نادرة للهروب من الواقع القاسي وتفريغ الانفعالات والمشاعر المكبوتة من خلال تشجيع الفرق التي استطاعت أن توحد مشاعر شعوب المنطقة برمتها.

شاشات مضيئة في قلب العتمة

ورغم انقطاع التيار الكهربائي والأوضاع الإنسانية البائسة التي فرضها تدمير البنية التحتية، بادرت جهات عدة لتأمين البث لكسر العزلة المفروضة على السكان؛ حيث قامت لجنة الإغاثة المصرية في غزة بنصب شاشات عرض مجانية في الشوارع المليئة بالحفر والأنقاض، بينما استعانت السوبرماركت الكبيرة ومحلات الهواتف المحمولة بمولداتها الكهربائية الخاصة لإقامة شاشات خارجية وفرت من خلالها أيضاً أعلام الدول المشاركة مثل مصر والمغرب، بحسب ما أفاد به المواطن سعيد أبو عون من مدينة غزة لـ “فاينينشال تايمز”.

وتظهر المشاهد المنقولة من القطاع حضورا لافتا للرجال والفتية في الساحات العامة والمنعطفات الضيقة بين الخيام، بينما تتابع النساء المنافسات في المنازل المتضررة أو ضمن التجمعات العائلية والنسائية الخاصة التي فرضتها طبيعة الظروف الميدانية وصعوبة الحركة ليلاً.

يوضح الصحفي الرياضي الغزي مصطفى جبر أن كرة القدم تمثل جزءاً أساسياً من الحياة اليومية والطقوس الاجتماعية في غزة، لكن كأس العالم الحالي يحمل أهمية استثنائية لكونه يمنح السكان مساحة من الطمأنينة النفسية لبضع ساعات، ويبعد عن أذهانهم مؤقتاً أصوات الانفجارات والطائرات التي لا تفارق سماء القطاع.

الفراعنة وأسود الأطلس.. حين تتحول الكرة إلى رابط شعبي

وقد تضاعف الزخم الجماهيري في القطاع الذي يقطنه نحو 2.1 مليون نسمة مع المظهر المشرف للمنتخبات العربية. ولطالما ارتبط جمهور غزة بكرة القدم المصرية تاريخياً وثقافياً؛ فهم يتابعون أنديتها ومنافساتها المحلية منذ عقود طويلة، إلى جانب تشجيعهم التقليدي للأندية الأوروبية الكبرى كبرشلونة الإسباني وليفربول الإنجليزي الذي تألق فيه النجم المصري محمد صلاح طويلاً وحظي بشعبية جارفة بين أطفال وشباب غزة.

وشهدت البطولة الحالية تلاحماً عاطفياً غير مسبوق تجلى في الالتفاف الشعبي الكبير وراء المنتخب المصري الذي نجح في التأهل إلى دور الـ16 لأول مرة في تاريخه، مما أثار موجة عارمة من الفخر تزامنت مع حاجة السكان لأي بارقة أمل.

غزاويون يتابعون مباراة مصر والأرجنتين

ووصف الصحفي مصطفى جبر الحشود التي تابعت مواجهة مصر والأرجنتين الأخيرة بأنها الأكبر في تاريخ القطاع قائلاً: “رغم ظروف الحرب والنزوح والعيش بين الركام، لم أرَ قط هذا العدد الكبير من الناس يتجمعون لمشاهدة مباراة، حتى ولا عندما يلعب المنتخب الوطني الفلسطيني، مما يعكس عمق الروابط التي تتوارثها الأجيال”.

وكانت الفرحة قد غمرت الغزيين بعد تقدم مصر بهدفين نظيفين في تلك المواجهة التاريخية قبل أن تنقلب النتيجة باستقبال ثلاثة أهداف متأخرة أطاحت بالفراعنة؛ وهو ما أحدث صدمة ومرارة في غزة لا تقل عن الشارع المصري الذي صب جام غضبه على الأداء التحكيمي الذي اعتبروه مجحفاً. ويعبر محمد أبو عون عن شدة خيبة أمله بالقول إنه سيدعم مضطراً منتخب فرنسا في مواجهته ضد المغرب في ربع النهائي؛ لكونه “الفريق الوحيد القادر على هزيمة الأرجنتين” والثأر لخروج مصر. وفي المقابل، واصلت شرائح واسعة في القطاع الاحتفاء بالإنجاز التاريخي لـ”أسود الأطلس” كرمز للصمود والإرادة العربية قبل لقائهم المرتقب مع فرنسا.

القمصان والأعلام.. رسائل تتجاوز الرياضة

وترتبط المؤازرة الرياضية في غزة بشكل وثيق بمواقف التضامن مع القضية الفلسطينية؛ إذ يميل الجمهور الفلسطيني بطبيعته لتأييد من يساندهم في الأوقات العصيبة ويعلي من صوتهم في المحافل الدولية.

وكان المدير الفني للمنتخب المصري حسام حسن قد حظي بتقدير جارف في الشارع الغزي بعدما طاف أرضية الملعب حاملاً العلم الفلسطيني عقب الفوز على أستراليا مهدياً الانتصار للشعبين المصري والفلسطيني؛ وهي لفتة اعتبرها الكاتب والمحلل السياسي في غزة مصطفى إبراهيم بمثابة خلق مساحة حقيقية للفرح ورسالة أمل حية تناهض المعاناة وتؤكد أن غزة ليست معزولة عن عمقها العربي.

فلسطينيون يجلسون فوق ركام مبانٍ دمرتها الحرب

ولم يقتصر هذا الدعم الشعبي على المنتخبات العربية بل امتد ليشمل المنتخب الإسباني؛ حيث تشير الصحفية الرياضية لينا المصري إلى أن الموقف السياسي المتميز والمتقدم لمدريد زاد من شعبية فريقها بشكل ملحوظ.

وتعتبر إسبانيا من أعلى الأصوات وأكثرها حدة داخل الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بانتقاد الممارسات الإسرائيلية؛ إذ أدانت الغارات المستمرة وطالبت مراراً بتسهيل دخول المساعدات الإنسانية دون قيود، واعتمدت رسمياً الاعتراف بدولة فلسطين عام 2024 وصولاً إلى تحركاتها الدبلوماسية الحثيثة عام 2026 داخل أروقة الاتحاد الأوروبي للمطالبة بإلغاء اتفاقية الشراكة مع إسرائيل وهو ما قابله سكان غزة بوفاء وتقدير كبيرين.

الوجه الآخر للمونديال في غزة

ورغم إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول الماضي وتراجع حدة العمليات العسكرية الكبرى بين إسرائيل وحركة حماس إلا أن الواقع الميداني لا يزال مأساوياً ومحكوماً بوطأة المعاناة الدائمة؛ فالعملية السياسية والتسوية التي تتوسط فيها الولايات المتحدة تراوح مكانها وسط جمود خانق وعمليات إعادة الإعمار لم تبدأ بعد، فيما تفتقر فيه الغالبية العظمى من السكان للمأوى الصالح للسكن وتسيطر فيه إسرائيل على أكثر من نصف مساحة القطاع مع استمرار غاراتها الجوية شبه اليومية التي تبدد أي شعور بالأمان.

ودفعت الرياضة والعمل الإنساني ضريبة قاسية خلال هذه الحرب المستمرة؛ حيث سقط المنسق الإغاثي محمد الوحيدي الذي أشرف على تنظيم شاشات العرض التابعة للجنة المصرية شهيداً إثر غارة إسرائيلية استهدفت سيارة أجرة كان يستقلها بمدينة غزة قبيل انطلاق مباراة مصر والأرجنتين وقضى في الهجوم ذاته الطفلان الشقيقان حمزة (10 سنوات) وفادي (8 سنوات) ليظل الموت يتربص بالسكان حتى خلال لحظاتهم القليلة بحثهم عن الترفيه.

الكوارث الرياضية

وعلى الصعيد البنيوي كشف مصطفى صيام الأمين العام للاتحاد الفلسطيني للإعلام الرياضي عن حجم الكارثة التي حلت بالبنية التحتية الرياضية مشيراً إلى تدمير أو تضرر نحو 285 منشأة رياضية كما أكد استشهاد أكثر من 500 شخص من كوادر الحركة الرياضية بين لاعبين ومدربين وحكام بينما تحولت بقية الملاعب والساحات الناجية إلى مخيمات بائسة لإيواء آلاف العائلات النازحة التي لم تجد مكاناً آخر تلجأ إليه.

ويجمل الصحفي مصطفى جبر المشهد المأساوي بالقول: “يعتقد الكثيرون أن الحرب قد انتهت لكن الواقع مغاير تماماً فالغارات الجوية لا تزال تضرب مناطق عدة” لتظل المعاناة هي الأصل وتتحول الدقائق التسعين للمباراة إلى المساحة الاستثنائية الوحيدة المتاحة لصناعة الفرح والدفاع عن حق الإنسان الفلسطيني في الحياة والبقاء.