تتجه العديد من الفرق إلى الأدوار الإقصائية، لكن القليل منها فقط ينجو من هذه المرحلة. فبينما تتطلب مرحلة المجموعات أن تكون الأفضل بين خصومك، فإن الأدوار الإقصائية تتطلب شيئًا مختلفًا تمامًا. هل يمكنك الهجوم عندما يتوقع الجميع أن تدافع؟ هل تستطيع الاستمرار في الضغط بعد إهدار ركلة جزاء؟ هل يمكنك الحفاظ على هدوئك بعد أن يتغير إيقاع المباراة بالكامل؟ وهل لديك الشجاعة للبقاء مخلصًا لهويتك بينما يحاول خصمك إجبارك على التخلي عنها؟ لهذا السبب كانت مباريات دور الـ16 مختلفة. لم تكن مجرد مباريات تحدد المتأهلين إلى ربع النهائي، بل كانت مباريات تكشف الحقائق. حيث أظهرت بعض الانتصارات عيوبًا كبيرة، وكشفت بعض الهزائم عن خريطة واضحة يمكن لمن يأتي بعدها السير عليها. كل مباراة كشفت شيئًا وتركت دليلًا، وكل دليل سيصبح بعد أيام قليلة سلاحًا في يد خصم جديد. لذا، قد يكون السؤال الأهم ليس من سيفوز، بل ماذا تعلمنا من آخر اختبار؟ ماذا تعلمنا من المباراة السابقة؟
دخل منتخب النرويج مواجهة البرازيل وهو يحمل هوية واضحة تشكلت منذ مباراته الملحمية أمام كوت ديفوار في دور الـ32. منتخب لا يخشى الدفاع ولا يخجل من ترك الكرة لمنافسه، ولا يرى في التراجع علامة ضعف بل وسيلة لخلق المساحة التي يريدها. خلال البطولة بأكملها، أثبت منتخب ستوله سولباكن أن الاستحواذ ليس شرطًا للسيطرة على المباراة. كان مستعدًا لامتصاص الضغط ثم ضرب الخصم في اللحظة التي يختل فيها توازنه، مع الاعتماد على اتساع الملعب كمنفذ أول للهروب من الضغط وعلى إيرلينغ هالاند كنقطة النهاية التي تحول أنصاف الفرص إلى أهداف.
لكن مواجهة البرازيل فرضت اختبارًا أكثر تعقيدًا؛ للمرة الأولى لم يكن المطلوب من منتخب النرويج الدفاع فقط، بل كان عليه منع البرازيل من الوصول إلى الحالة التي تفضلها أكثر؛ الفوضى. فالبرازيل ليس فريقًا يحتاج إلى استحواذ طويل ليصبح خطيرًا. على العكس، كلما تحولت المباراة إلى سلسلة من التحولات السريعة والكرات المقطوعة والمساحات المفتوحة، ازدادت خطورته. لذا كان السؤال الحقيقي: هل يستطيع منتخب النرويج الدفاع دون أن تتحول المباراة إلى سباق مفتوح؟
في البداية احتاج الفريق إلى شيء من الحظ؛ ركلة الجزاء التي أهدرها المنتخب البرازيلي والتصدي الحاسم لأوريان نييلاند غيّرا الحالة النفسية للمباراة مبكرًا. لكن ما حدث بعد ذلك كان أهم بكثير من مجرد إنقاذ ركلة جزاء. بدلًا من الاكتفاء بالدفاع داخل منطقة الجزاء، بدأ المنتخب النرويجي في استخدام الاستحواذ كوسيلة دفاعية. لم يكن الهدف صناعة فرص كثيرة بل حرمان البرازيل مما تريده أكثر؛ التحولات. ورغم أن منتخب البرازيل أنهى اللقاء بنسبة استحواذ أعلى، فإن منتخب النرويج نجح في تقليل عدد المواقف الانتقالية المفتوحة.
كل دقيقة مرت كانت المباراة تبتعد أكثر عن النسخة التي أرادها المنتخب البرازيلي وتقترب من النسخة التي أرادها النرويجيون. وهنا ظهر أول درس كبير من دور الـ16: السيطرة ليست مجرد امتلاك الكرة… بل تحديد شكل المباراة. “الفريق الذي يجبر خصمه على لعب أكبر عدد ممكن من الهجمات… لا يعني بالضرورة أنه يسيطر على المباراة.”.
وأصدقاء هالاند كانوا المثال الحي لذلك؛ لو اكتفينا بالنظر إلى الإحصائيات سنجد أن المنتخب البرازيلي بدا الطرف الأفضل في أغلب فترات اللقاء: استحواذ أعلى ومحاولات أكثر على المرمى ووجود مستمر داخل الثلث الأخير. لكن كرة القدم، خاصة في الأدوار الإقصائية، لا تُقاس بعدد المرات التي تصل فيها إلى منطقة الجزاء بل بنوعية اللحظات التي تسمح بها لخصمك وهذا تحديداً ما فهمه منتخب النرويج.
أولاً… السيطرة على إيقاع المباراة
منذ الدقائق الأولى كان واضحًا أن المنتخب البرازيلي يريد إعادة إنتاج السيناريو الذي نجح به أمام اليابان: ضغط مبكر وإيقاع مرتفع ودفع فينيسيوس إلى الطرف لخلق موقف 1 ضد 1 ثم استغلال التحركات المتأخرة للاعبي الوسط داخل منطقة الجزاء. لكن منتخب النرويج رفض الدخول في هذا الإيقاع حيث لم يندفع للضغط العالي ولم يتراجع إلى منطقة الجزاء بشكل كامل بل دافع بما يسمى “Mid-block with delayed engagement” أي كتلة دفاعية متوسطة مع تأخير لحظة الضغط حتى يدخل الخصم المنطقة المطلوبة.
وهذا جعل المنتخب البرازيلي يستحوذ لكنه لم يستطع تسريع المباراة؛ واحدة من أكثر الأفكار التي أعجبتني في أداء النرويج أنهم لم يستخدموا الكرة للهجوم فقط بل استخدموها كوسيلة دفاعية وهذه نقطة كثيراً ما يتحدث عنها أرسين فينجر؛ الاستحواذ ليس هدفاً بل أحياناً يكون أفضل طريقة لإراحة الدفاع.
ثالثاً… لماذا كان هالاند مختلفاً؟
من السهل القول إن هالاند سجل هدفين لكن هذا لا يفسر ما حدث؛ الحقيقة أن منتخب النرويج لم يكن يبحث عن هالاند كثيراً بل كان يبحث عن اللحظة التي يصل فيها إليه. وهنا يظهر الفرق بين مهاجم يسجل كثيراً ومهاجم يجعل فريقه يلعب بصورة أفضل.
رابعاً… التبديلات التي غيرت المباراة
في البطولات الكبرى لا يفوز المدرب دائماً بالخطة الأساسية فقط بل بمدى استفادته من دكة البدلاء وهنا تفوق منتخب النرويج بوضوح؛ دخول أندرياس شيلديروب وأوسكار بوب بين شوطي المباراة منح الفريق طاقة جديدة وغير شكل المباراة تماماً.
خامساً… ماذا يحدث إذا اختفى هالاند؟
وهذا هو السؤال الذي سيطرحه أي مدرب سيواجه النرويج لأن معظم الحلول الهجومية انتهت عند اللاعب نفسه.
ختاماً…
إذاً خرج منتخب النرويج بصورة الفريق الذي يعرف كيف يعاني وهذه ميزة عظيمة في الأدوار الإقصائية لكنه خرج أيضاً وهو يترك سؤالاً مفتوحاً: هل تستطيع الفوز إذا لم تكن المباراة تسير بالشكل الذي يريده هالاند؟

