على عكس بطولات كأس العالم السابقة، قام الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بتقسيم أفضل أربعة منتخبات إلى أربعة أقسام منفصلة في القرعة. وُضعت إسبانيا والأرجنتين في نصفين متقابلين، بينما وُضعت فرنسا وإنجلترا في قسمين مختلفين. إذا تصدر كل منهما مجموعته، فلن يضطر إلى مواجهة الآخر قبل الدور نصف النهائي.
يُعتبر جود بيلينجهام، وليونيل ميسي، وكيليان مبابي، ولامين يامال أبرز لاعبي المنتخبات الأربعة الأقوى التي ستتنافس في نصف نهائي كأس العالم 2026. (صورة: فيفا).
لا يقوم الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) باختيار الخصوم أو تحديد نتائج المباريات. التغيير الذي أجراه هو فقط في هيكل القرعة لإنشاء مسارين منفصلين نحو الدور نصف النهائي لأفضل أربعة فرق.
ومع ذلك، فإن هذا التغيير الذي يبدو تقنيًا يعكس اتجاهًا رئيسيًا في الرياضات الحديثة.
أدى توسيع بطولة كأس العالم من 32 إلى 48 فريقًا إلى إضافة دور الـ32 في الأدوار الإقصائية. وفقًا لهذا النظام الجديد، قد يتقابل الفريقان الأول والثاني من كل مجموعة في دور الـ16، مما يعني أن الفرق المتنافسة على اللقب قد تواجه خطر الإقصاء مبكرًا أكثر مما كان عليه الحال سابقًا. لتجنب هذا السيناريو، قرر الفيفا فصل أقوى أربعة فرق بشرط أن تتصدر كل منها مجموعتها.
لكن الحقيقة هي أن هذا “الدرع” لا يضمن النجاح.
اضطرت الأرجنتين لخوض مباراة ماراثونية ضد سويسرا امتدت إلى الوقت الإضافي. وتغلبت إسبانيا تباعًا على البرتغال وبلجيكا. كما فازت إنجلترا على المكسيك ثم النرويج – الفريق الذي أقصى البرازيل. وكان على فرنسا التغلب على المغرب، أحد مفاجآت البطولة. لو فقد أي فريق صدارته أو خرج من البطولة، لانهار النظام الذي بناه الفيفا بالكامل.
بمعنى آخر، لا يوفر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) سوى الفرصة لإقامة مباريات كبيرة، لكن تحويل تلك الفرصة إلى حقيقة يعتمد كليًا على أداء الفرق.
كانت النتيجة النهائية أشبه بسيناريو مثالي. فهذه هي المرة الأولى منذ عام 1990 التي تتأهل فيها جميع الفرق الأربعة المتأهلة لنصف النهائي إلى نهائي كأس العالم. كما أنها المرة الأولى منذ إطلاق تصنيف الفيفا التي تتواجد فيها أفضل أربعة فرق في العالم في نصف النهائي.
والأهم من ذلك، أن الأسبوع الأخير من كأس العالم جمع تقريباً جميع الأسماء اللامعة في عالم كرة القدم. واصل ليونيل ميسي، البالغ من العمر 39 عامًا، قيادة الأرجنتين للدفاع عن لقبها. بينما خلق كيليان مبابي ولامين يامال مواجهة بين جيلين من نجوم كرة القدم الأوروبية. كما كان هاري كين وجود بيلينجهام وعثمان ديمبيلي ورودري حاضرين أيضًا.
حملت مباراتا نصف النهائي قصصاً مثيرة للاهتمام بما يكفي لجذب انتباه المشجعين حول العالم.
ستواجه فرنسا إسبانيا في مباراة إعادة بعد بطولة أمم أوروبا 2024، حيث ستتاح لمبابي فرصة الثأر من يامال وزملائه. وفي الوقت نفسه، تُعدّ مواجهة إنجلترا والأرجنتين استمراراً لإحدى أعرق المنافسات في تاريخ كرة القدم العالمية بدءًا من ربع نهائي 1966 و”يد الله” الشهيرة لدييغو مارادونا عام 1986 وصولاً إلى أول لقاء يجمع ليونيل ميسي بإنجلترا في كأس العالم.
من منظور تجاري، هذه هي بالتحديد المباريات التي يرغب أي منظم في رؤيتها خلال المراحل الحاسمة للبطولة.
ظاهرياً، يُفسر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) تغيير جدول البطولة كوسيلة لضمان “المنافسة العادلة”. ومع ذلك، في عصر تحدد فيه عائدات حقوق البث التلفزيوني والرعاية والجمهور العالمي قيمة كأس العالم، فإن زيادة احتمالية إقامة مباريات بين أفضل الفرق والنجوم تعني أيضًا حماية جاذبية البطولة.
لا يختلف هذا الأمر اختلافًا جذريًا عن العديد من الرياضات الأخرى؛ فلطالما وضعت ويمبلدون المصنفين الأول والثاني في مجموعتين متقابلتين بحيث لا يلتقيان إلا في النهائي بينما لا يتقابل المصنفان الثالث والرابع إلا في نصف النهائي. كما يطبق دوري أبطال أوروبا مبدأً مشابهًا عند تحديد متصدري المجموعات.
يكمن الاختلاف هنا أن كأس العالم لطالما اعتُبرت رمزاً للعشوائية والنزاهة المطلقة؛ لذا يُحتمل أن يُثير أي تغيير في طريقة تنظيمها جدلاً واسعاً.
قد تتباين الآراء حول ما إذا كان الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) يُحابي الفرق الكبيرة أم لا؛ لكن الحقيقة تبقى أن ما تُغيره المنظمة ليس نتائج المباريات بل طريقة تصميم البطولة. ففي كرة القدم الحديثة لم يعد نظام المنافسة مجرد مسألة فنية بل أصبح جزءًا من استراتيجية تطوير المنتج.

