معتز الشامي (أبوظبي)
لم يعد خروج ألمانيا من كأس العالم مجرد مفاجأة عابرة، بل تحول إلى مشهد يتكرر بصورة تدق ناقوس الخطر داخل أحد أعظم المنتخبات في تاريخ اللعبة. فالهزيمة أمام باراجواي بركلات الترجيح في دور الـ32 من مونديال 2026 لم تكن مجرد نهاية مبكرة، بل محطة جديدة في رحلة طويلة من التراجع بدأت منذ التتويج بلقب 2014.
قبل اثني عشر عاماً، كانت ألمانيا تقدم نفسها باعتبارها النموذج الأكثر استقراراً في كرة القدم العالمية، وتوجت بكأس العالم بعد سلسلة مذهلة من الإنجازات، إذ حلت وصيفة في 2002، وثالثة في 2006 و2010، قبل أن تعتلي منصة التتويج في البرازيل بعد الفوز التاريخي 7-1 على أصحاب الأرض. حينها، لم يكن كثيرون يختلفون حول كون «المانشافت» القوة الأولى في العالم.
لكن المشهد تغير تماماً بعد ذلك. فمنذ رفع الكأس في ريو دي جانيرو، لم تعرف ألمانيا سوى الإخفاقات، حيث خرجت من دور المجموعات في مونديالي 2018 و2022، ثم ودعت مجددًا في 2026 أمام منتخب يحتل المركز 34 عالمياً بعدما كان قد تعرض لخسارة ثقيلة أمام الولايات المتحدة في دور المجموعات.
واعترف المدرب يوليان ناجلسمان بحجم الأزمة قائلاً: «هذا هو الإقصاء الثالث على التوالي، ولم نعد ضمن منتخبات الصف الأول في العالم»، وهي كلمات تعكس واقعاً لم تعتده الكرة الألمانية التي ارتبط اسمها لعقود بالصلابة والانتصار في أصعب اللحظات.
ورغم امتلاك ألمانيا تشكيلة تضم لاعبين من كبار أندية الدوري الألماني والدوري الإنجليزي، فإنها عجزت عن ترجمة تفوقها إلى أهداف. بالمقابل، اعتمدت باراجواي على الانضباط الدفاعي والروح القتالية ونجحت في إغلاق المساحات أمام كاي هافيرتز وفلوريان فيرتز ورفاقهما قبل أن تحسم المواجهة بركلات الترجيح.
المفارقة أن ألمانيا خسرت للمرة الأولى في تاريخها بركلات الترجيح في كأس العالم بعدما كانت واحدة من أكثر المنتخبات نجاحاً في هذا السيناريو. فقد سجل لاعبوها 15 ركلة متتالية منذ آخر إهدار عام 1982 قبل أن تتوقف السلسلة أمام تألق الحارس أورلاندو جيل.
واعترف هافيرتز بعد المباراة بأن المنتخب افتقد شيئاً حاسماً طوال البطولة قائلاً: «لعبنا كرة جيدة، لكن كان هناك دائماً عنصر مفقود. علينا كلاعبين أن ننظر إلى أنفسنا ونعرف كيف نصبح أفضل»
من جانبه، رفض ناجلسمان الحديث عن الاستقالة مؤكداً استعداده للاستمرار إذا جدد الاتحاد الألماني ثقته فيه. لكنه أقر بأن الجماهير لن تكون راضية عن بقاء الجهاز الفني بعد هذه النتائج.
غير أن الأزمة تبدو أعمق من هوية المدرب. فمنذ عام 2014 تراجع معدل انتصارات ألمانيا في كأس العالم من 75% عبر تاريخها إلى 40% فقط كما لم تعد ضمن أفضل ثمانية منتخبات في تصنيف الاتحاد الدولي وهو تراجع يعكس خللاً هيكلياً أكثر منه أزمة جيل أو بطولة.
وتستحضر هذه المرحلة ما حدث بعد الخروج المبكر من مونديال 1998 ويورو 2000 حين أطلقت ألمانيا مشروعاً شاملاً لإعادة بناء منظومة تطوير المواهب وتحديث فلسفة اللعب وهو المشروع الذي قادها لاحقاً إلى لقب كأس العالم 2014.
واليوم يبدو أن الكرة الألمانية تحتاج إلى ثورة جديدة لا تعيد فقط نتائج المنتخب بل تستعيد أيضاً الشخصية التي جعلت ألمانيا لعقود مرادفاً للنجاح في أكبر البطولات.
كأس العالم 2026: «المانشافت» يواجه أزمة هوية جديدة

