هل أصبحت كأس العالم المشروع الاقتصادي الأكبر في الرياضة العالمية؟ النسخة الحالية من مونديال 2026 طرحت هذا السؤال، بعدما سجلت أرقاماً غير مسبوقة في عدد المنتخبات والمباريات، مما دفع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) إلى مرحلة مالية جديدة، حيث تحولت البطولة إلى المحرك الرئيسي لإيرادات المنظمة، ومنصة تستقطب استثمارات ورعايات وحقوق بث تجاوزت كل ما عرفته اللعبة في تاريخها.
وكشفت دراسة نشرتها صحيفة «ذا أثليتيك» أن مونديال 2026 يمثل نقطة تحول في نموذج عمل «فيفا»، بعدما ارتفعت الميزانية المتوقعة للدورة المالية الحالية (2023-2026) إلى 13 مليار دولار، بزيادة تتجاوز 70% مقارنة بالدورة السابقة، وسط توقعات بتحقيق 9 مليارات دولار من هذا الإجمالي خلال عام 2026 وحده، يرتبط الجزء الأكبر منها بكأس العالم.
وتؤكد هذه الأرقام أن البطولة تجاوزت كونها حدثاً يقام كل أربعة أعوام، لتصبح المصدر الأساسي الذي يعتمد عليه «فيفا» في تمويل أنشطته. إذ اعتاد الاتحاد تسجيل خسائر أو أرباح محدودة خلال السنوات الثلاث الأولى من الدورة المالية، قبل أن يعوضها بالكامل في عام إقامة كأس العالم، الذي يحقق فوائض مالية ضخمة تكفل استمرار برامجه حتى النسخة التالية.
وقد أدت الزيادة الكبيرة في عدد المنتخبات إلى 48 منتخباً وارتفاع عدد المباريات إلى 104 لقاءات، إلى توسع غير مسبوق في مصادر الدخل. إذ ارتفع عدد التذاكر المطروحة إلى نحو 6.7 ملايين تذكرة، مقارنة بـ3.2 ملايين فقط في مونديال قطر 2022. كما زادت أيام البطولة واتسعت قاعدة الجماهير وارتفعت قيمة العقود التجارية وحقوق النقل التلفزيوني.
وتظل حقوق البث التلفزيوني المصدر الأهم لعائدات «فيفا»، إذ تمثل نحو 68% من إجمالي الإيرادات المتوقعة للدورة الحالية، من خلال حقوق النقل والتذاكر والضيافة. وتشير الدراسة إلى أن قيمة هذه الحقوق تضاعفت بصورة كبيرة خلال العقد الأخير، مدفوعة بارتفاع الطلب العالمي على متابعة البطولة واتساع الأسواق الإعلامية خارج أوروبا.
ولم تعد أوروبا تستأثر بالنصيب الأكبر من هذه الحقوق كما كان الحال قبل سنوات، إذ شهدت أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا نمواً ملحوظاً. كما واجه «فيفا» صعوبة في إبرام عقود بث في أسواق مثل الصين والهند، ما دفعه إلى خفض توقعاته للإيرادات المنتظرة من حقوق البث في هذين السوقين.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت عائدات التذاكر والضيافة إلى مستويات غير مسبوقة، مستفيدة من استضافة الولايات المتحدة صاحبة أكبر سوق رياضية وتجارية في العالم. واعتمد «فيفا» نظام التسعير الديناميكي الذي يسمح بتغيير الأسعار وفق حجم الطلب، وهي السياسة التي أسهمت في زيادة الإيرادات لكنها تعرضت أيضاً لانتقادات. كما دفعت عدداً من الولايات الأمريكية إلى فتح تحقيقات بشأن آليات بيع التذاكر وطبيعة المعلومات المقدمة للمشجعين أثناء عملية الشراء.
ولم تتوقف مصادر الدخل عند البث والتذاكر؛ إذ واصلت عقود الرعاية تسجيل أرقام قياسية مع دخول شركات كبرى إلى قائمة الشركاء العالميين واستمرار التعاون مع علامات تجارية كبيرة. وهو ما منح «فيفا» دفعة مالية جديدة عززت من قيمة عقوده التجارية.
وفي المقابل شهدت المنظومة الاقتصادية لـ«فيفا» توسعاً في اتفاقيات الرعاية والشراكات التجارية وإبرام عقود إعلامية واستثمارية جديدة؛ مما ساهم في تعزيز الإيرادات وتنويع مصادر الدخل.
ورغم القفزة الكبيرة في الإيرادات أكد «فيفا» أن فلسفته تقوم على إعادة استثمار الأموال داخل اللعبة مستنداً إلى برنامج «فيفا فوروارد»، الذي ارتفعت مخصصاته بصورة كبيرة منذ وصول جياني إنفانتينو إلى رئاسة الاتحاد. إذ زادت قيمة الدعم الموجه إلى الاتحادات الوطنية من نحو 720 مليون دولار خلال دورة 2011-2014 إلى أكثر من خمسة مليارات دولار موزعة على برامج التطوير منذ عام 2016 مع استمرار رفع قيمة المخصصات في كل دورة مالية جديدة.
غير أن الدراسة تشير أيضاً إلى أن الصورة ليست بهذه البساطة؛ فإلى جانب الأموال التي تعاد إلى الاتحادات الوطنية تواصل الاحتياطيات المالية لـ«فيفا» النمو بوتيرة سريعة بعدما بلغت 2.7 مليار دولار بنهاية عام 2025 مع توقعات بوصولها إلى ما يقارب 5.8 مليارات دولار بعد انتهاء الدورة الحالية؛ وهو مستوى قد يجعلها صاحبة أكبر احتياطي مالي بين جميع المؤسسات الرياضية العالمية.
ولا يقتصر الأمر على الاحتفاظ بهذه الأموال؛ إذ يعتمد «فيفا» بصورة متزايدة على استثمار احتياطياته في السندات والصناديق المالية والأدوات الاستثمارية منخفضة المخاطر؛ مما وفر له خلال السنوات الثلاث الماضية مئات الملايين من الدولارات كعوائد مالية لتتحول هذه الاستثمارات إلى مصدر دخل إضافي بجانب كرة القدم.
وفي المقابل ارتفعت أيضاً كلفة تشغيل الاتحاد الدولي سواءً عبر زيادة عدد الموظفين أو توسيع اللجان الدائمة أو ارتفاع المصروفات الإدارية والقانونية بينما شهدت مكافآت كبار المسؤولين نمواً ملحوظاً. وفي وقت أكد فيه «فيفا» أن هذه النفقات تظل محدودة مقارنة بحجم الإيرادات التي تحققها المنظمة.
وتواجه هذه الطفرة المالية تحديات خلال السنوات المقبلة؛ أبرزها الاعتماد الكبير على التوسع المستمر في البطولة وارتفاع أسعار التذاكر والحاجة لتوقيع عقود بث ورعاية أكبر مع كل نسخة جديدة إضافةً لاستمرار الانتقادات المرتبطة بسهولة وصول الجماهير إلى المباريات ومدى قدرة البطولة على الحفاظ على صورتها كحدث عالمي مفتوح أمام مختلف الفئات.
وتبدو المؤشرات الحالية جميعها مرتبطة باتجاه واحد؛ فكل توسع في كأس العالم يرفع تلقائياً حجم الإيرادات ويزيد قيمة الحقوق التجارية ويمنح «فيفا» مساحة أكبر للاستثمار وتوسيع برامجه لكن المحافظة على هذا النمو تظل رهناً بقدرة الاتحاد الدولي على تحقيق التوازن بين تعظيم العائدات والحفاظ على الطابع الجماهيري للبطولة وهي معادلة ستبقى حاضرة مع كل نسخة جديدة من كأس العالم.

