اختُتمت بطولة كأس العالم 2026 بعد أكثر من شهر من المنافسات، تاركةً بصمةً تجاوزت حدود ملاعب كرة القدم. أُقيمت البطولة لأول مرة في ثلاث دول – الولايات المتحدة والمكسيك وكندا – وتوسعت لتشمل 48 فريقًا و104 مباريات، مما شكل محركًا اقتصاديًا هائلًا، إذ عززت السياحة والخدمات والإعلام والتكنولوجيا والتجارة في أمريكا الشمالية.
كأس العالم 2026 تُعتبر آلة ضخمة لجني الأموال، حيث تعزز السياحة وتخلق تجارب جديدة للجماهير من جميع أنحاء العالم.
بحسب الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، حضر ما يقارب 6.5 مليون متفرج إلى الملاعب لتشجيع فرقهم، أي ما يقارب ضعف عدد الحضور في كأس العالم 2022 في قطر، والبالغ 3.4 مليون متفرج. وفي يوم 16 يونيو وحده، استقبلت الملاعب 281,223 شخصًا، مسجلةً رقمًا قياسيًا في الحضور الجماهيري ليوم واحد. وبلغ متوسط نسبة الإشغال 99.7%، ما يعكس الاهتمام الاستثنائي بهذه النسخة الأولى من كأس العالم التي تُقام بنظام 48 فريقًا.
يُعدّ ملعب مكسيكو سيتي الملعب الأكثر استقطابًا للجماهير، حيث استقطبت خمس مباريات أُقيمت فيه ما مجموعه 404,120 مشجعًا. وتعكس المدرجات الممتلئة باستمرار شغف الشعب المكسيكي الاستثنائي بكرة القدم، وتُبرهن على فعالية استغلال الملاعب الكبيرة ذات الأهمية التاريخية في أمريكا الشمالية.
من الجدير بالذكر أن إجمالي جمهور كأس العالم 2026 سيتجاوز مجموع جمهور البطولتين السابقتين. فقد استقطبت بطولة كأس العالم 2018 في روسيا وبطولة كأس العالم 2022 في قطر حوالي 6.44 مليون شخص، على الرغم من أن كل بطولة تضمنت 64 مباراة فقط. إن زيادة عدد المنتخبات من 32 إلى 48 ورفع عدد المباريات إلى 104 وتوزيع البطولة على 16 مدينة سيوفران لعدد أكبر من المشجعين فرصة الاستمتاع بتجربة مهرجان كرة القدم بشكل مباشر.
لكن جاذبية كأس العالم لا تُقاس فقط بعدد الأشخاص الذين يدخلون بوابات الملاعب. فقد حضر حوالي 7.7 مليون شخص فعاليات مهرجان مشجعي الفيفا، أي أضعاف عدد الحضور في قطر عام 2022 الذي تجاوز 1.8 مليون شخص. وتحولت مناطق المشجعين إلى “ملاعب ثانية” حيث شاهد السكان المحليون والسياح المباريات على شاشات عملاقة واستمتعوا بالموسيقى والطعام وشاركوا في الأنشطة المجتمعية.
تُعدّ مهرجانات المشجعين أيضًا بمثابة منصة للمدن المضيفة للترويج لثقافتها المحلية وصورتها ومنتجاتها. ونتيجةً لذلك، لا يقتصر حماس المباراة على مدة التسعين دقيقة فحسب، بل يمتد طوال اليوم لينتشر من الملعب إلى الساحات والشوارع والمطاعم والفنادق ومراكز التسوق.
في العالم الرقمي، حققت بطولة كأس العالم 2026 إنجازًا جديدًا بتسجيلها ما يقارب 20 مليار تفاعل فيديو عبر المنصات العالمية. يعكس هذا الرقم تحولاً جذرياً في كيفية تفاعل الجمهور مع كرة القدم. فإلى جانب التلفزيون التقليدي، بات بإمكان المشجعين متابعة الأهداف وأبرز اللقطات ومقاطع الفيديو من وراء الكواليس وردود فعل اللاعبين بشكل فوري تقريباً عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
لذا تتمتع المباراة بعمر إعلامي أطول بكثير من مدة اللعب؛ إذ يمكن استغلال المحتوى قبل المباراة وأثناءها ويستمر انتشاره لأيام عديدة بعدها. وهذا لا يساعد الفيفا على توسيع نطاق وصولها فحسب، لا سيما إلى الجماهير الشابة، بل يخلق أيضاً مساحة تجارية أكبر للرعاة وحاملي حقوق النشر والمنصات الرقمية.
قد يعجبك أيضاً.
مع حضور أكثر من 6.5 مليون متفرج ومليارات التفاعلات عبر المنصات الرقمية، فإن جاذبية كأس العالم 2026 تترجم بسرعة إلى قيمة اقتصادية كبيرة.
وفقًا لتقديرات الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ومنظمة التجارة العالمية، تساهم البطولة بحوالي 40.9 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي لأمريكا الشمالية بينما تجلب دورة كأس العالم للفيفا أكثر من 13 مليار دولار من حقوق البث التلفزيوني والرعاية ومبيعات التذاكر والأنشطة التجارية.
أدى توسيع البطولة لتشمل 104 مباريات إلى زيادة كبيرة في قيمة حقوق البث والإعلانات والفرص التجارية؛ ففي المدن الأمريكية المضيفة يُقدّر أن تُدرّ بطولة كأس العالم نشاطًا اقتصاديًا إضافيًا يتراوح بين 160 و620 مليون دولار يمتد ليشمل قطاعات الإقامة والنقل والتجزئة والمطاعم والخدمات.
قبل المباراة النهائية، بيع ما يقارب ستة ملايين تذكرة بالإضافة إلى أكثر من607 آلاف باقة ضيافة مميزة شكل المشجعون الأفراد منها حوالي60%. وهذا يدل على تزايد تنوع الطلب على تجارب كرة القدم والذي يتجاوز مجرد حضور المباراة داخل الملعب.
استفاد قطاع السياحة بشكل كبير أيضاً حيث بلغت نسبة إشغال العديد من الفنادق القريبة من ملاعب المباريات حوالي95% وجذبت الجولات السياحية التي تجمع بين مشاهدة مباريات كرة القدم واستكشاف المناطق المحلية أعداداً كبيرةً من الزوار؛ لم يقتصر إنفاق كل مشجع على التذاكر فحسب بل خصص أيضاً مبالغ للإقامة والمواصلات والتسوق والترفيه مما خلق سلسلة قيمة اقتصادية ضخمة.
مع ذلك لا تعود الفوائد الاقتصادية بالكامل إلى المدن المضيفة؛ فبينما يحصل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) على الجزء الأكبر من الإيرادات من حقوق البث والمبيعات التجارية لا تزال الحكومات المحلية مضطرة لاستثمار مبالغ كبيرة في البنية التحتية والأمن والتنظيم؛ لذا فإن فعالية كأس العالم على المدى الطويل ستعتمد على قدرة الدول المضيفة على استغلال إرث البطولة لتطوير السياحة والبنية التحتية والاقتصاد بعد انتهاء فعاليات البطولة.
الابتكار وتحدي الحفاظ على القيم الأساسية.
إلى جانب نجاحاتها من حيث النطاق والانتشار تشكل بطولة كأس العالم تحديات عديدة للفيفا ومن أكثر المواضيع جدلاً تطبيق التكنولوجيا في إدارة المباريات.
لقد ساهمت تقنية VAR وتقنية التسلل شبه الآلية والكرات المجهزة بأجهزة استشعار في تقليل أخطاء الحكام بشكل كبير ولكنها أثارت أيضًا جدلاً حيث تم إلغاء العديد من الأهداف لألمانيا وكرواتيا ومصر بسبب انتهاكات التسلل التي لا تتجاوز بضعة سنتيمترات أو اللمسات الخفيفة جداً.
خير مثال على ذلك هدف التعادل الذي سجلته كرواتيا ضد البرتغال في دور الـ16 والذي تم إلغاؤه بعد أن رصدت أجهزة الاستشعار أن الكرة لمست إيغور مانتانوفيتش قبل وصولها إلى يوسكو غفارديول؛ كان القرار صحيحاً وفقاً للقواعد ولكنه لا يزال يثير تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين الدقة التقنية وعاطفة كرة القدم.
قد يعجبك أيضاً.
أثارت قاعدة أخذ استراحة لشرب الماء بين كل شوط آراءً متباينة؛ فرغم تطبيقها لحماية صحة اللاعبين تحت الظروف المناخية الحارة إلا أن كثرة التوقفات دفعت العديد من المشجعين للاعتقاد بأن وتيرة اللعب وحماسته تتأثران سلباً.
من منظور آخر يؤدي التوسع في حجم البطولة إلى ارتفاع تكاليف التذاكر والإقامة والسفر مما يجعل حضورها صعباً على العديد من المشجعين؛ وفي الوقت نفسه تُظهر الزيادة الكبيرة بالإيرادات الناتجة عن حقوق البث التلفزيوني والرعاية والأنشطة التجارية بوضوحٍ متزايدٍ توجه كرة القدم الحديثة نحو التسويق.
بفوز إسبانيا يؤكد كأس العالم نجاح نموذج الفرق الـ48؛ ومع ذلك لكي تستمر بطولات كأس العالم المستقبلية بالتطور بشكل مستدام سيتعين على الفيفا إيجاد توازن بين الابتكار والكفاءة الاقتصادية والقيم التقليدية التي تجعل كرة القدم جذابة للغاية.

