تثبت كرة القدم دائمًا أن صفقات الانتقالات لا تُحسم بالأرقام الكبيرة أو التوقعات المسبقة، فكم من لاعب انتقل إلى نادٍ جديد وسط علامات استفهام واسعة حول مستواه أو سعره أو قدرته على التأقلم، قبل أن يتحول مع مرور الوقت إلى أحد أهم نجوم تاريخ ناديه.
وفي المقابل، هناك صفقات بدت في لحظتها بمثابة مغامرة كبيرة بالنسبة للأندية، سواء بسبب القيمة المالية المرتفعة، أو بسبب سجل اللاعب السابق، أو لصغر سنه وقلة خبرته، لكنها تحولت في النهاية إلى قرارات تاريخية غيرت مسار الأندية وكتبت أسماء أصحابها بأحرف من ذهب في سجلات كرة القدم.
فيرجيل فان دايك.. قرار غيّر مسار ليفربول
عندما تعاقد ليفربول مع الهولندي فيرجيل فان دايك قادمًا من ساوثهامبتون في يناير 2018، أثارت الصفقة الكثير من الجدل بعدما بلغت قيمتها نحو 75 مليون جنيه إسترليني، ليصبح المدافع الأغلى في العالم وقتها.
وجاءت الصفقة في ظل معاناة ليفربول من مشاكل دفاعية، مما جعل إنفاق هذا المبلغ الضخم على مدافع يمثل مخاطرة كبيرة، وسط تساؤلات حول مدى قدرة اللاعب على تقديم الإضافة المطلوبة.
لكن فان دايك سرعان ما أثبت أن إدارة ليفربول كانت على حق بعدما تحول إلى أحد أهم عناصر الفريق، وقاد دفاع الريدز خلال فترة ذهبية شهدت التتويج بدوري أبطال أوروبا عام 2019، ثم الفوز بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز في موسم 2019-2020. أصبح المدافع الهولندي أحد أبرز المدافعين في تاريخ النادي وأضفى لمساته على مسيرته مجموعة كبيرة من البطولات والإنجازات.
محمد صلاح.. من شكوك تشيلسي إلى أسطورة خالدة في ليفربول
جاء انتقال محمد صلاح من روما الإيطالي إلى ليفربول في صيف 2017 وسط تساؤلات عديدة حول قدرة النجم المصري على النجاح في الدوري الإنجليزي، خاصة بعد تجربته السابقة غير الموفقة مع تشيلسي.
ودفع ليفربول نحو 37 مليون جنيه إسترليني للتعاقد مع صلاح، وهي صفقة لم تكن خالية من المخاطر رغم أن اللاعب كان قد استعاد بريقه خلال تجربته مع فيورنتينا وروما.
لكن صلاح رد على جميع علامات الاستفهام بأفضل طريقة ممكنة بعدما قدم موسمًا أول استثنائيًا مع ليفربول سجل خلاله 44 هدفًا في 52 مباراة بمختلف البطولات، منها 32 هدفًا في الدوري الإنجليزي الممتاز. ومنذ ذلك الحين تحول محمد صلاح إلى أحد أهم نجوم ليفربول وكتب تاريخًا جديدًا مع النادي بعدما أصبح أحد أبرز الهدافين والنجوم فيه.
لوكا مودريتش.. من علامات الاستفهام إلى أسطورة ريال مدريد
عندما انتقل الكرواتي لوكا مودريتش من توتنهام إلى ريال مدريد عام 2012 لم تكن الصفقة محل ترحيب كامل من الجميع. واجه لاعب الوسط الكرواتي تساؤلات حول قدرته على فرض نفسه داخل خط وسط ريال مدريد خاصةً بسبب بنيته الجسدية الصغيرة نسبيًا وطبيعة المنافسة الشرسة داخل النادي الملكي.
لكن مودريتش سرعان ما أثبت أنه صفقة استثنائية وتحول إلى أحد أفضل لاعبي خط الوسط في تاريخ ريال مدريد. فاز النجم الكرواتي بـ6 ألقاب في دوري أبطال أوروبا بالإضافة إلى عدة ألقاب في الدوري الإسباني وتوج بجائزة الكرة الذهبية عام 2018 ليصبح أحد أساطير النادي الملكي وأكثر لاعبيه تتويجًا بالألقاب.
كانتونا.. صفقة صنعت حقبة ذهبية في مانشستر يونايتد
في نوفمبر 1992 تعاقد مانشستر يونايتد مع الفرنسي إريك كانتونا قادمًا من ليدز يونايتد مقابل قيمة مالية متواضعة نسبيًا. ورغم امتلاك كانتونا موهبة كبيرة إلا أن مسيرته السابقة شهدت العديد من المشكلات التأديبية وفترات عدم استقرار مما جعل الصفقة تحمل قدرًا من المخاطرة.
لكن كانتونا تحول سريعًا إلى أحد أهم نجوم مانشستر يونايتد وأصبح محور الإبداع الهجومي تحت قيادة السير أليكس فيرجسون. ساهم النجم الفرنسي في قيادة مانشستر يونايتد للفوز بـ4 ألقاب للدوري الإنجليزي الممتاز خلال 5 مواسم ليصبح واحدًا من أكثر اللاعبين تأثيرًا بتاريخ النادي.
ديدييه دروجبا.. من مهاجم واعد إلى أسطورة تشيلسي
عندما تعاقد تشيلسي مع الإيفواري ديدييه دروجبا قادمًا من مارسيليا عام 2004 لم يكن اللاعب قد وصل بعد إلى المكانة العالمية التي حققها لاحقًا.
ودفع النادي الإنجليزي مبلغًا قياسيًا وقتها للتعاقد مع مهاجم كان لا يزال يبني اسمه على الساحة الأوروبية مما جعل الصفقة محل تساؤلات كبيرة.
لكن دروجبا نجح في تحويل هذه الضغوط إلى دافع وأصبح واحدًا من أعظم مهاجمي تشيلسي على الإطلاق حيث سجل النجم الإيفواري 164 هدفًا خلال 381 مباراة بقميص تشيلسي كما توج بـ4 ألقاب للدوري الإنجليزي ولعب دورًا حاسمًا في تتويج النادي بأول لقب له بدوري أبطال أوروبا.
h2>آريين روبن.. رحيل عن ريال مدريد وبداية مجد جديد مع البايرن
عندما غادر الهولندي آريين روبن ريال مدريد وانتقل إلى بايرن ميونخ عام 2009 كانت هناك علامات استفهام حول الصفقة خاصةً مع تعرض اللاعب للإصابات المتكررة ورحيله عن أحد أكبر أندية أوروبا لكن روبن نجح بتحويل تجربته مع بايرن ميونخ إلى واحدة من أنجح مراحل مسيرته.
وأصبح الجناح الهولندي أحد أبرز نجوم النادي الألماني وشكل ثنائيّاً تاريخياً مع فرانك ريبيري كما سجل هدف الفوز بنهائي دوري أبطال أوروبا عام 2013 ليترك بصمة لا تُنسى بتاريخ بايرن.
دينيس بيركامب.. بداية صعبة تحولت إلى ثورة بأرسنال
وصل الهولندي دينيس بيركامب لأرسنال عام 1995 قادماً من إنتر ميلان بعدما عاش فترة صعبة بالنادي الإيطالي وكانت هناك شكوك حول قدرة المهاجم الهولندي على التأقلم مع طبيعة كرة القدم الإنجليزية خاصة بعد عانى فيها بإيطاليا.
لكن أرسنال خاطر بالصفقة وكانت النتيجة واحدة من أهم التحولات بتاريخ النادي بينما أصبح بيركامب واحداً من أكثر اللاعبين موهبةً فنياً بتاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز كما لعب دوراً محورياً بمشروع أرسين فنجر وساهم بتغيير صورة أرسنال وأسلوبه الهجومي.
نجولو كانتي.. صفقة بسيطة صنعت معجزة ليستر سيتي
لم تكن صفقة انتقال الفرنسي نجولو كانتي لليستر سيتي ضمن أبرز صفقات سوق الانتقالات وقتها لكن النادي الإنجليزي كان يؤمن بقدرات اللاعب بعدما تألق بفرنسا.
وانضم كانتي لفريق نجا بصعوبةٍ بالغةٍ بالهبوط بالموسم السابق ولم يكن يتوقع أي شخص أن يصبح جزءاً أساسياً ضمن واحدةٍ مِن أعظم مفاجآت تاريخ الدوري الإنجليزي.
لكن لاعب الوسط الفرنسي كان أحد أهم أسباب تتويج ليستر سيتي بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز بموسم (2015-2016) قبل أن ينتقل لتشيلسي ويحقق معه لقباً آخر بالدوري الإنجليزي ودوري الأبطال.
روبرتو فيرمينو.. صفقة صنعت ثلاثياً هجوميّاً تاريخياً
عندما تعاقد ليفربول مع البرازيلي روبرتو فيرمينو قادماً مِن هوفنهايم عام (2015) لم يكن اللاعب اسمَاً بارزاً بالنسبة لجماهير الدوري الإنجليزي الممتاز وظهرت تساؤلات حول مدى قدرته على التأقلم مع الكرة الإنجليزية لكن وصول يورجن كلوب غيّر شكل دورِهِ داخل الملعب.
لم يتحوّل اللاعب لمهاجم تقليدي بل أصبح حلقة الوصل الرئيسية بهجوم ليفربول حيث كان يتراجع لمناطق الوسط ويفتح المساحات أمام محمد صلاح وساديو ماني بينما شكل الثلاثي الهجومي واحداً مِن أكثر خطوط الهجوم تأثيراً بالعصر الحديث للدوري الإنجليزي وكانَ روبرتو جزءاً أساسياً مِن الفريق الذي حقق دوري الأبطال والدوري الممتاز.
كريستيانو رونالدو.. رهانٌ على مراهق تحولَ للأسطورة
كان تعاقد مانشستر يونايتد مَع البرتغالي كريستيانو رونالدو مِن سبورتينغ لشبونة عام (2003) بمثابة رهانٍ عَلى موهبة شابة لم تكن قد اختبرت بعد بالدوريات الأوروبية الكبرى وكان رونالدو وقتَها مراهقاً يمتلك إمكانات فنية كبيرة لكن لم يكن هناك ما يُضمن تحوله للنجم العالمي الذي يعرفه الجميع اليوم.
بدأت الفكرة بتطوير جناح شاب واعد لكن ما حدث بعدها تجاوز كل التوقعات بينما تحول رونالدو لأحد أعظم لاعبي كرة القدم بالتاريخ وحقق العديد مِن الألقاب والجوائز الفردية قبل أن يصبح أحد أبرز أساطير مانشستر يونايتد واللعبة بشكل عام.
وتؤكد هذه الصفقات العشر أن كرة القدم لا تعترف دائمًا بالتوقعات المسبقة وأن الصفقة التي تبدو مخاطرةً ببدايتها قد تتحوّل بمرور السنوات إلى قرارٍ تاريخي إذا امتلك اللاعب القدرة على التطور ووجد البيئة المناسبة لإظهار موهبته.

