يواصل اللاعب الأرجنتيني ليونيل ميسي، البالغ من العمر 39 عاماً، التألق في مشاركته السادسة بكأس العالم، محققاً رقماً قياسياً يتقاسمه مع البرتغالي كريستيانو رونالدو. حيث سجل 8 أهداف وقدم 3 تمريرات حاسمة في هذه النسخة.
يتصدر ميسي سباق الحذاء الذهبي بالتساوي مع الفرنسي كيليان مبابي، بينما تقدم الجماهير لمشاهدة نسخة جديدة تماماً من اللاعب مقارنةً بمسيرته مع برشلونة التي بدأت عام 2003.
تتجه الأنظار نحو ميسي مجدداً في الدور نصف النهائي أمام إنجلترا يوم الأربعاء على ملعب أتلانتا.
في وقت تعاني فيه العديد من الأسماء الكبيرة من التراجع بسبب تقدم السن، نجد أن النخبة مثل رونالدو يكتشفون طرقاً للتكيف، حيث تحول إلى مهاجم صريح بعد فقدانه للسرعة.
أسلوب ميسي.
لكن ميسي لم يغير أسلوب لعبه فقط للتكيف مع كبر سنه أو لتعويض بطئه البدني، بل أعاد ابتكار طريقة لعبه وتغيير أدواره ليظل المسيطر الأول على مجريات المباريات والبطولات.
في هذه النسخة من المونديال، يظهر ميسي بقدرة أكبر على صناعة الفرص مع ركض أقل، حيث أطلق 33 تسديدة وصنع 21 فرصة، ليصل مجموع مساهماته إلى 54 محاولة وتمريرة حاسمة. وهذا هو المعدل الأعلى مجتمعاً منذ الأسطورة الراحل دييغو مارادونا في مونديال 1986، رغم قضائه 47 بالمئة من المسافة سيراً على الأقدام، وهي النسبة الأعلى بين جميع اللاعبين في البطولة.
يقوم ميسي بقطع أقصر مسافة مقارنة بجميع لاعبي الأرجنتين الذين شاركوا لأكثر من 20 دقيقة، بمعدل 8.2 كيلومترات فقط لكل 90 دقيقة. كما تراجعت انطلاقاته السريعة إلى 2.7 انطلاقة في المباراة الواحدة مقارنة بـ5.3 قبل أربع سنوات.
ستسعى إنجلترا لتحقيق ما لم تنجح فيه سوى بولندا خلال آخر 15 مباراة لميسي في كأس العالم وهو منعه من التسجيل أو الصناعة، حيث يمتلك ميسي 16 هدفاً و7 تمريرات حاسمة في تلك المباريات.
منذ أن سجل الفتى الذي كان يبلغ من العمر 16 عاماً مشاركته الأولى مع برشلونة ضد بورتو تحت قيادة جوزيه مورينيو، حيث لعب كجناح أيمن مراوغاً ومخترقاً نحو الداخل، أعاد ميسي ابتكار نفسه خمس مرات على الأقل ليتطور إلى اللاعب الذي يمثله اليوم مع الأرجنتين ونادي إنتر ميامي الأميركي.
عندما رأى رونالدينيو ميسي يتدرب للمرة الأولى قال: “إنه سيكون الأفضل”. وبعد عامين تحديدًا في أغسطس 2005، قدم البرغوث الأرجنتيني نفسه للعالم في كأس خوان جامبر ضد يوفنتوس. كان المدرب فابيو كابيلو مذهولاً بأداء الشاب البالغ من العمر 18 عاماً لدرجة أنه حاول التعاقد معه.
بحلول سن الحادية والعشرين ومع تراجع رونالدينيو قال مدرب برشلونة فرانك ريكارد بوضوح: “في قلب الأحداث تمامًا كلما لمس الكرة أكثر كان ذلك أفضل للفريق”.
خلال الأشهر الأولى لتولي بيب غوارديولا تدريب الفريق الكتالوني عام 2008، كان الجانب الأيمن ممره الخاص. جاء قراره بنقله عن الجناح لأسباب دفاعية لعدم تراجعه للتغطية. ولكن المدرب الإسباني كان يعلم أن ميسي سينتهي به المطاف في عمق العمليات الهجومية ليُبنى الفريق حول مركزه الجديد.
في الثاني من مايو عام 2009 وعلى ملعب سانتياغو برنابيو ضد ريال مدريد، قرر غوارديولا نقله من الجناح ليكون في مقدمة الهجوم دون أدوار تقليدية. تراجع للخلف للاستلام والتمرير وصناعة القرار لتنتهي المواجهة بفوز برشلونة بنتيجة 6-2. معلنة ولادة مركز المهاجم الوهمي وهو أسلوب مشابه لما فعله جوستاف سيبيش مع المجر عام 1953 ضد إنجلترا وما قدمه يوهان كرويف مع هولندا.
تحول ميسي لمعضلة بلا حل؛ فعندما يتراجع بين الخطوط يتعين على المدافعين مطاردته مما يترك مساحات خلفهم أو يمنحه حرية الحركة. ولم ينجح أي خيار بوجود تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا ويايا توريه خلفه.
كرر غوارديولا التجربة في نهائي دوري أبطال أوروبا ضد مانشستر يونايتد حيث سجل ميسي برأسه قبل عشرين دقيقة من النهاية.
<pبين عامي 2011 و2013 سجل القائد الأرجنتيني 96 هدفًا في 69 مباراة بالدوري الإسباني لتصبح الكرة الذهبية لأفضل لاعب في العالم ملكية شبه دائمة له بالأعوام:2010 و2011 و2012 و2015 و2019 وصولًا إلى ثماني كرات ذهبية نال الأولى عن عمر يناهز الـ22 والثامنة وهو بعمر الـ36 عامًا.
تكتيك غوارديولا.
وفي مقابلة مع الصحفي خوان بابلو فارسكي عام 2024 قال ميسي: “لم أكن أهتم كثيرًا بالتكتيك لكن مع غوارديولا تعلمت الكثير وبدأت أفهم المساحات والاحتفاظ بالكرة وكيف تسير الأمور في اللعبة فعليًا”.
ومع رحيل تشافي هيرنانديز عام 2015 وتلاه أندريس إنييستا بعد ثلاث سنوات تحول ميسي ليكون المحرك للفريق بأكمله وتحول تدريجياً لمركز صانع الألعاب المتأخر الذي يبدأ الهجمات وينهيها.
سجل في موسم (2019/2020) ما يصل إلى (22) تمريرة حاسمة و(25) هدفاً في (33) مباراة وفي موسمه الأخير مع برشلونة (2020/2021) سجل (30) هدفاً وقدم (11) تمريرة حاسمة في (35) مباراة بينما أكد موسمه الأول مع باريس سان جرمان هذا التحول بتسجيل (11) هدفاً وتقديم (15) تمريرة حاسمة في (34) مباراة ليتجاوز عدد التمريرات الحاسمة أهدافه لأول مرة.
واجه ميسي رحلة صعبة مع المنتخب الأرجنتيني بعد توليه شارة القيادة في أغسطس (2011)، حيث خسر نهائي كأس العالم (2014) أمام ألمانيا ونهائي كوبا أميركا (2015) و(2016) أمام تشيلي بركلات الترجيح.
كان التتويج بلقب كوبا أميركا (2021) على ملعب ماراكانا بمثابة الخلاص وإنهاء غياب (28) عاماً عن الألقاب الكبرى وفي كأس العالم (2022)، دمج ميسي بين الماضي والحاضر بلقطات استثنائية كمراوغة يوسكو غفارديول خلال الفوز على كرواتيا (3-0)، وتمريراته الحاسمة وهدفه في النهائي ضد فرنسا الذي انتهى بالتعادل (3-3) قبل الفوز بركلات الترجيح.
وفي مقابلة مع الأسطورة الفرنسي زين الدين زيدان عام (2023) قال: “تغيرت كرة القدم كثيرًا وتغيرت طريقة اللعب والخطط وأصبحت اللعبة اليوم تعتمد على الجوانب التكتيكية والبدنية بشكل أكبر بكثير مما كانت عليه سابقًا حيث كنا نجد مساحات أوسع”.
ومع إنتر ميامي وفي كوبا أميركا(2024) ومونديال(2026)، يسير ميسي بشكل أكبر مما يجري كدليل على نضجه وفهمه للعب وتوفير طاقته.
قال بابلو أيمار: “النسخة الأخيرة من ميسي هي الأفضل دائماً” ويبدو أنه لا يزال على حق.
ما حققه ميسي ليس مجرد أرقام بل هو إعادة صياغة تامة لما يمكن أن يكون عليه لاعب كرة القدم؛ بدءًا بجناح مذهل ومهاجم وهمي غيّر التكتيك الأوروبي وصانع ألعاب يجعل زملائه عظماء وقائد ملهم وصولاً إلى مخضرم يرى كل شيء أولاً دون حاجة للركض.
المغزى الحقيقي لرحلته ليس مدى جودته بل عدد المرات التي نجح فيها بإعادة ابتكار نفسه ليصبح شخصًا جديدًا بالكامل.

