لم يشارك دونالد ترامب في مباريات كأس العالم 2026، ولم يسدد ركلة جزاء، ولم يجلس على مقاعد البدلاء، بل اعترف بأنه لا يعرف الكثير عن كرة القدم. ومع ذلك، استطاع الرئيس الأمريكي أن يصبح واحداً من أكثر الشخصيات حضوراً وإثارة للجدل في البطولة. عندما يكون ترامب موجوداً، لا تظل الرياضة مجرد رياضة، ولا تبقى السياسة خارج الملعب.
أحدث إسهاماته الفنية جاءت بعد خسارة إنجلترا أمام الأرجنتين في نصف النهائي. فقد رأى ترامب أن المدرب الألماني توماس توخيل ارتكب خطأً عندما تحول فريقه إلى الدفاع بعد تقدمه بهدف، وتساءل مستنكراً عن وضع هاري كاين في مهمة دفاعية: “يجب أن نكون أكثر هجوماً قليلاً، أليس كذلك؟” قبل أن يضيف مستدركاً: “ماذا أعرف أنا عن التدريب؟”.
الحقيقة أن هذه العبارة الأخيرة لم تمنعه من مواصلة التحليل. أشاد بليونيل ميسي وشرح كيف خدع مراقبه بتحرك مفاجئ، ثم صنع الهدف الذي قلب المباراة. وفي لحظة نادرة من التواضع، أقر ترامب بأن ميسي واحد من أولئك الذين “وُلدوا بموهبة إضافية”. لكنه لم ينس كريستيانو رونالدو الذي يعرفه شخصياً، ولا هاري كاين الذي لعب معه الجولف. وهكذا تحولت قائمة أفضل لاعبي العالم في الرواية الترامبية إلى قائمة ممن نجحوا في المرور بنادي علاقاته الشخصية.
لكن تدخله الأكثر خطورة لم يكن فنياً بل انضباطياً. فعندما طُرد مهاجم المنتخب الأمريكي فولارين بالوجون أمام البوسنة والهرسك، اتصل ترامب برئيس “فيفا” جياني إنفانتينو طالباً مراجعة القرار. وبعد اتصالاته، قررت اللجنة التأديبية تعليق تنفيذ عقوبة الإيقاف لمدة عام دون محو البطاقة الحمراء نفسها، فأصبح اللاعب متاحاً لمواجهة بلجيكا. وأكد إنفانتينو أن القرار اتخذ بصورة مستقلة، لكن صدوره عقب اتصالات ترامب جعل الحديث عن المصادفة يحتاج إلى قدر كبير من حسن الظن.
المصادفة بدت شديدة النشاط. وفي النهاية، شارك بالوجون وخسرت الولايات المتحدة 1-4 وكأن كرة القدم أرادت أن تذكر الجميع بأن النفوذ السياسي قد يرفع الإيقاف لكنه لا يضمن الفوز.
ويستعد ترامب الآن لحضور نهائي الأرجنتين وإسبانيا الليلة وتسليم الكأس إلى الفائز برفقة إنفانتينو. وهي مهمة تستدعي قدراً من الحذر؛ ففي نهائي كأس العالم للأندية عام 2025 سلم الكأس إلى قائد تشيلسي لكنه لم يغادر المنصة وظل وسط اللاعبين خلال الاحتفال كأن اللقب تحقق بتوجيهاته.
ولأن كأس العالم أقيمت بالاشتراك بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، اقترح ترامب أن تستضيفها بلاده بمفردها في المرة المقبلة مستبعدة الشريكين اللذين قال إنه كان “لطيفاً” عندما سمح لهما بالمشاركة. ثم طرح تنظيم مشترك مستقبلي بين أمريكا والصين ساخراً من “الرحلة القصيرة” بين مباريات البلدين.
ترامب باختصار لم يتعلم بعد كل قوانين كرة القدم لكنه أتقن أسرع قوانينها انتشاراً؛ إذا لم تكن لاعباً أو مدرباً أو حكماً يمكنك دائماً أن تكون الحدث.

