رغم أن كرة القدم تُعتبر مجرد لعبة رياضية، فإن بعض المباريات تتحول إلى أحداث تتجاوز المستطيل الأخضر. من أبرز هذه المواجهات تلك التي تجمع الأرجنتين وإنجلترا، والتي ارتبطت تاريخيًا بالنزاع على جزر فوكلاند (مالفيناس). حيث قال المدرب الألماني لمنتخب إنجلترا توماس توخيل، إن المباريات بين الأرجنتين وإنجلترا هي “أكثر بكثير من مجرد مباراة كرة قدم”، وذلك عشية مواجهتهما في نصف نهائي كأس العالم بأمريكا الشمالية.

جزر فوكلاند
حرب فوكلاند

 

جزر فوكلاند.. أصل الخلاف التاريخي بين الأرجنتين وإنجلترا

واندلعت حرب فوكلاند عام 1982 بين بريطانيا والأرجنتين بسبب السيادة على الجزر الواقعة في جنوب المحيط الأطلسي. انتهت الحرب بانتصار بريطانيا واستمرار إدارتها للجزر، بينما لا تزال الأرجنتين تطالب بالسيادة عليها حتى اليوم.

خلفت الحرب آثارًا عميقة في الوجدان الوطني للبلدين، خاصة في الأرجنتين، حيث استمر النزاع لمدة 74 يومًا وانتهى باستسلام الأرجنتين في 14 يونيو. عادت جزر فوكلاند للسيطرة البريطانية، وقُتل في الصراع 649 عسكريًا أرجنتينيًا مقابل 255 عسكريًا بريطانيًا، بالإضافة إلى ثلاثة مدنيين من جزر فوكلاند.

مارادونا
هدف مارادونا «يد الله»

 

مارادونا و”يد الله”.. المباراة التي صنعت الأسطورة

بعد أربع سنوات فقط، التقى المنتخبان في ربع نهائي كأس العالم 1986 بالمكسيك، في مباراة حملت أبعادًا تتجاوز الرياضة. فازت الأرجنتين بنتيجة 2-1 بفضل هدفي قائدها دييجو مارادونا، أحدهما الشهير بـ “يد الله” والآخر الذي أطلق عليه لاحقًا “هدف القرن”.

في تصريحات لاحقة، قال مارادونا إن هدف “يد الله” كان بالنسبة له أشبه بـ “انتقام رمزي” من إنجلترا بعد حرب فوكلاند. هذا الربط بين المباراة والصراع السياسي عزز من مكانتها في أذهان كثيرين رغم أنها كانت بطولة رياضية رسمية وليست امتدادًا للحرب.

منذ ذلك الحين، تحظى أي مواجهة بين الأرجنتين وإنجلترا باهتمام خاص. ينظر إليها البعض باعتبارها مباراة تحمل إرثًا تاريخيًا وسياسيًا، بينما يؤكد آخرون أن المنافسة يجب أن تبقى داخل إطارها الرياضي بعيدًا عن الخلافات الدولية.

تحولت مباريات الأرجنتين وإنجلترا إلى رمز يجسد كيف يمكن للأحداث السياسية والتاريخية أن تترك بصمتها على الرياضة لتصبح أكثر من مجرد 90 دقيقة من كرة القدم.

منتخب الأرجنتين

أغنية الأرجنتين تعيد قضية مالفيناس إلى الواجهة

ويستعرض نشيد 2026 الخاص بحاملي اللقب، “لا كوارتا إستريّا” (النجمة الرابعة)، أبرز المواضيع التي تلقي بظلالها على المواجهة المرتقبة في مدينة أتلانتا بولاية جورجيا.

وجاء في كلمات الأغنية “من أجل مالفيناس، ومن أجل دييجو، ومن أجل الأخيرة لليو (ميسي)، يا أرجنتين، أريد أن أراك بطلة للعالم مرتين متتاليتين” مستخدمة الاسم الأرجنتيني “مالفيناس” للإشارة إلى جزر فوكلاند.

 

وقال المُدرّس إيسيكييل مورميس (33 عامًا) لوكالة فرانس برس لدى خروجه من مشاهدة وثائقي بعنوان “المباراة” الذي يتناول فوز الأرجنتين التاريخي على إنجلترا في ربع نهائي كأس العالم 1986: “أفقد صوابي، لم أنم ولا أستطيع التفكير في أي شيء آخر”.

أما إرنستو ألونسو الذي قاتل في حرب فوكلاند فقد قلّل من أهمية ذلك النزاع في مباراة الأربعاء.

خلال الهدف
خلال إحراز مارادونا للهدف

وقال: “بطريقة ما كان مارادونا قد ثأر لنا بالفعل في عام 1986. بالطبع نحن جميعا متحمسون ونريد الفوز لكن لا يمكننا تحميل المنتخب الوطني مسؤولية قضية مالفيناس.”.

 

جزر فوكلاند حاضرة بقوة

تشكل جزر فوكلاند أحد أبرز عناصر الهوية الأرجنتينية إذ يرد مطلب السيادة عليها في الدستور وفي الكتب المدرسية وفي عدد لا يحصى من الجداريات والوشوم كما في أسماء أحياء وفي ملاعب تحمل اسم “مالفيناس الأرجنتينية.”.

وفي مجتمع شديد الانقسام ينظر فيه اليسار واليمين إلى بعضهما البعض كأعداء لدودين كثيرا ما يردد الأرجنتينيون أن جزر فوكلاند والمنتخب الوطني لكرة القدم هما تقريبا القضيتان الوحيدتان اللتان تحظيان بإجماع الجميع.

لكن عام 2026 ليس كعام 1986 حين كانت جراح الحرب لا تزال مفتوحة وكان الضغط على مارادونا ورفاقه لاستعادة شرف البلاد المفقود في أوجه.

مارادونا بعد احرازه للهدف

مارادونا بعد احرازه للهدف

وقال أندريس بورجو مؤلف كتاب “المباراة الذي تحول لاحقا إلى فيلم وثائقي:” تلك المباراة كانت مشوبة بالكثير من الرمزية.”

وأضاف أن نصف النهائي هذا العام يحمل أهمية رمزية أقل وأهمية رياضية أكبر.
ومع ذلك وفي دليل على أن قضية فوكلاند لا تزال تثير مشاعر عميقة يُعرض الفيلم الوثائقي أمام قاعات مكتظة بالمشاهدين.
وقال توماس باربيتو وهو موظف تأمين يبلغ 33 عاما وكان يرتدي قميص المنتخب الأرجنتيني أثناء خروجه من إحدى دور السينما في بوينوس آيرس إنه يشعر “بقلق شديد قبل المباراة.”
وأضاف كأننا نريد الثأر لشيء لا يفترض أن نحتاج إلى الثأر منه.

منتخب إنجلترا

ثقافتان كرويتان متشابهتان رغم العداوة التاريخية

ودليلا على أن مواجهة إنجلترا لا تزال تثير الحماسة شوهد ميسي وزملاؤه يقفزون فرحا بعد فوزهم على سويسرا مرددين “من لا يقفز فهو إنجليزي!”

وربما لا يضاهي حماسة المشجعين الأرجنتينيين بأهازيجهم وشغفهم باستفزاز المنافسين والسخرية منهم سوى المشجعون الإنجليز أنفسهم.
وفي كلا البلدين كثيرا ما امتد الشغف بكرة القدم إلى أعمال عنف.
وقال بورغو إنه رغم حدة التنافس فإن الأرجنتينيون يجدون صدى لثقافتهم الكروية في إنجلترا.
وأضاف:” هناك دول لا تمتلك شغفا بكرة القدم مثل الولايات المتحدة ودول تمتلك الشغف لكن دون ثقافة كروية أما إنجلترا فلديها الأمران معا الشغف والثقافة وأعتقد أن المشجعون الأرجنتينيون يدركون ذلك ويحترمونه رغم المنافسة التاريخية والخلاف حول جزر المالفیناس.”
وتابع : “هناك احترام لثقافة كرة القدم الإنجليزية فالمدارج متشابهة كما أن الجماهير الإنجليزية تسافر لمساندة منتخبها معظم الجماهير الأوروبية لا تسافر أما الإنجليز فتنقلوا بأعداد كبيرة ويملؤون مدراجات كأس العالم.”
ومن الأدلة أيضا على عمق الروابط التاريخية بين البلدین أن العديد من الاندیة الارجنیتینیة تحمل إرث المهاجرین الإنجلیز الذين أدخلوا كرة القدم إلى البلاد مثل ريفر بليت ورسينغ ونیولز أولد بويز.
وردد باربيتو الفكرة نفسها قائلا إنه أمر متناقض نوعا ما ولكن الحقيقة هي أنه أحب الإنجليز والطريقة التي يعيشون بها كرة القدم ويتنفسونها.
وفي النهاية.. بينما تتغير الأجيال وتتبدل أسماء النجوم يبقى اسم