رغم أنها لا تحظى دائماً بنفس المكانة التي تتمتع بها المباراة النهائية، إلا أن مواجهة تحديد المركز الثالث في كأس العالم تظل واحدة من أكثر المباريات إثارة للجدل في عالم كرة القدم. فبينما يعتبرها البعض محطة أخيرة بعد فقدان حلم التتويج، يراها آخرون فرصة ثمينة لإنهاء المسيرة العالمية بصورة مشرفة وتحقيق إنجاز يبقى محفوراً في سجلات البطولة.
في كأس العالم 2026، تكتسب مباراة تحديد المركز الثالث أهمية خاصة، حيث تجمع بين منتخبَي فرنسا وإنجلترا، اللذين كانا من أبرز المرشحين للمنافسة على اللقب قبل أن تتوقف رحلتهما في الدور نصف النهائي.
ويلتقي منتخب فرنسا مع منتخب إنجلترا في الثانية عشر منتصف ليل الأحد بتوقيت القاهرة على ملعب “هارد روك” في ميامي، قبل 24 ساعة من المباراة النهائية التي تجمع إسبانيا والأرجنتين على ملعب “ميتلايف” بالقرب من نيويورك.
فرنسا ضد إنجلترا: أهداف تتجاوز الميدالية البرونزية
يطلق الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” على مباراة المركز الثالث اسم “النهائي البرونزي”، وهي لا تقتصر فقط على تحديد صاحب المركز الثالث في البطولة، بل تحمل أبعاداً رياضية واقتصادية أخرى.
من الناحية التجارية، توفر المباراة عوائد إضافية للاتحاد الدولي والمدينة المضيفة عبر مبيعات التذاكر والحقوق الإعلامية والإعلانات. كما تمنح الجماهير مباراة عالمية أخرى بين منتخبين كبيرين قبل إسدال الستار على البطولة.
أما من الجانب الرياضي، فتحتسب نتيجة المباراة ضمن التصنيف العالمي للمنتخبات وتمنح نقاطاً رسمية تختلف عن تلك الممنوحة في المباريات الودية. وهذا قد يؤثر لاحقاً على ترتيب المنتخبات ومسارات التصفيات وبعض القرارات المرتبطة بالقرعة في البطولات المقبلة.
تمثل المواجهة أيضاً فرصة لأحد المنتخبين لإنهاء مشاركته في كأس العالم باعتلاء منصة التتويج والحصول على الميدالية البرونزية، وهو إنجاز يحظى بقيمة كبيرة في تاريخ المنتخبات كما يحدث في الألعاب الأولمبية.
تاريخ مباريات المركز الثالث في كأس العالم
لم تكن مباراة المركز الثالث موجودة في النسخة الأولى من كأس العالم عام 1930 في أوروجواي، إذ لم تُلعب مواجهة فاصلة بين منتخبي الولايات المتحدة ويوغوسلافيا بعد خروجهما من نصف النهائي. بدلاً من ذلك، تم اعتماد ترتيب الولايات المتحدة في المركز الثالث بفارق الأهداف.
ظهرت المباراة للمرة الأولى في النسخة الثانية من البطولة عام 1934 بإيطاليا عندما تغلب المنتخب الألماني على النمسا بنتيجة 3-2. واستمرت هذه المباراة حتى نسخة 1938 قبل أن تختفي في مونديال 1950 بسبب نظام البطولة الذي اعتمد مجموعة نهائية بدلاً من الأدوار الإقصائية.
وعادت المواجهة بدايةً من كأس العالم 1954 ومنذ ذلك الحين أصبحت جزءاً ثابتاً من منافسات البطولة، على عكس بطولة كأس الأمم الأوروبية التي قررت إلغاء مباراة المركز الثالث بعد نسخة 1980.
مباريات صنعت لحظات لا تُنسى
شهدت مباراة المركز الثالث عبر تاريخ كأس العالم العديد من اللحظات الاستثنائية والأرقام القياسية. ففي مونديال 2002، سجل التركي هاكان شوكور أسرع هدف في تاريخ البطولة عندما هز شباك كوريا الجنوبية بعد 11 ثانية فقط.
كما ارتبطت مواجهة المركز الثالث بإنجاز فرنسي خالد حيث سجل جوست فونتين أربعة أهداف في فوز فرنسا على ألمانيا الغربية بنتيجة 6-3 خلال مونديال 1958 ليصل رصيده إلى 13 هدفاً وهو الرقم القياسي لأكثر لاعب تسجيلاً للأهداف في نسخة واحدة من كأس العالم.
ولم تكن المباراة هامشية بالنسبة لبعض الهدافين الذين استفادوا منها لتعزيز أرقامهم قبل حصد جائزة هداف البطولة. ومن بينهم البرتغالي أوزيبيو عام 1966 والإيطالي سالفاتوري سكيلاتشي عام 1990 والكرواتي دافور شوكر عام 1998 والألماني توماس مولر عام 2010. وفي نسخة 2026 ستكون المواجهة فرصة أخيرة لكل من كيليان مبابي وهاري كين لتعزيز رصيدهما في سباق الحذاء الذهبي.
مكاسب مباراة البرونزية
لا يحصل الفائز بمباراة المركز الثالث على كأس خاصة ولكنه يتوج بالميداليات البرونزية ويحصل على مكافأة مالية تبلغ 29 مليون دولار مقابل 27 مليون دولار لصاحب المركز الرابع. وتتصدر ألمانيا قائمة أكثر المنتخبات حصولاً على المركز الثالث عبر تاريخ كأس العالم بعدما حققت البرونزية أربع مرات كان آخرها في مونديال جنوب أفريقيا عام 2010.
مباراة لا يحبها الجميع
رغم استمرارها لعقود فإن مباراة المركز الثالث تعرضت لانتقادات متكررة من بعض المدربين واللاعبين الذين يرون أنها تأتي في توقيت صعب نفسياً بعد خسارة فرصة الوصول إلى النهائي.
وكان الهولندي لويس فان جال أحد أبرز المنتقدين لهذه المواجهة بعدما قاد منتخب بلاده للفوز على البرازيل بنتيجة 3-0 خلال مباراة تحديد المركز الثالث بمونديال 2014 مؤكداً أن خوض مباراة جديدة بعد الخروج من نصف النهائي قد يجعل المنتخب يعيش نهاية مؤلمة رغم مشواره القوي.
كما وصف جاريث ساوثجيت مدرب إنجلترا السابق مواجهة المركز الثالث بأنها مباراة لا يرغب أي منتخب في خوضها، بينما اعتبر المهاجم الإنجليزي السابق آلان شيرر أنها مواجهة لا تحمل الدافع نفسه لدى اللاعبين.
ولم تمنح فرنسا قائديها ميشيل بلاتيني الفرصة للمشاركة في مباراتي المركز الثالث عامي 1982 و1986. بينما احتفلت السويد بشكل كبير ببرونزية مونديال 1994 بعد فوزها على بلغاريا بنتيجة 4-0 وعاشت كرواتيا لحظات تاريخية بعد حصولها على المركز الثالث خلال أول مشاركة لها كدولة مستقلة عام 1998.
ورغم الجدل الدائم حول قيمتها فإن أرقام البطولة تؤكد أن مباراة المركز الثالث غالباً ما تكون مفتوحة ومليئة بالأهداف إذ لم تنتهِ أي مواجهة فيها منذ فوز بولندا على البرازيل بنتيجة 1-0 عام 1974 بأقل من هدفين لتظل واحدة من أكثر مباريات كأس العالم إثارة للمشاهدين حتى وإن لم تمنح لقب البطل.

