لا يُعتبر ملعب أزتيكا مجرد موقع لاستضافة مباراة المكسيك وإنجلترا في ثمن نهائي كأس العالم 2026، بل هو أحد أبرز معالم كرة القدم العالمية وأكثرها ارتباطًا بتاريخ المونديال.
منذ افتتاحه قبل ستة عقود، أصبح الملعب شاهدًا على لحظات خالدة شكلت تاريخ اللعبة، وفي النسخة الحالية يعد أحد أبرز أسلحة المنتخب المكسيكي في سعيه لمواصلة مشواره على أرضه.
بينما يدخل المنتخب الإنجليزي المباراة بحثًا عن بطاقة العبور إلى ربع النهائي، يعتمد أصحاب الأرض على ملعب لم يعرفوا فيه طعم الخسارة في تاريخ مشاركاتهم بكأس العالم، وهو رقم قياسي غير مسبوق في البطولة.
يحمل الملعب اسمًا مستوحى من حضارة الأزتك، تكريمًا للإرث التاريخي والثقافي للمكسيك، وظل اسم “أزتيكا” ملازمًا له منذ افتتاحه، رغم محاولات عديدة لتغييره.
في يناير/كانون الثاني 1997، أعلنت مجموعة “تيليفيسا” المالكة للملعب عن تغيير اسمه إلى “استاد غييرمو كانيدو” تكريمًا للرئيس السابق للاتحاد المكسيكي لكرة القدم وعضو اللجنة التنفيذية للفيفا غييرمو كانيدو دي لا بارثينا. لكن القرار قوبل برفض جماهيري واسع دفع الشركة للتراجع والإبقاء على الاسم الذي ارتبط في أذهان عشاق الكرة بتاريخ المونديال.
تكرر المشهد قبل كأس العالم عام 2026، عندما اشترى بنك “بانورتي” في 14 مارس/آذار 2025 حقوق تسمية الملعب للمساهمة في تمويل تحديثه، ليصبح اسمه الرسمي “استاد بانورتي”. ومع ذلك، واصلت الجماهير استخدام اسم “أزتيكا”، بينما فرضت لوائح الفيفا خلال البطولة اعتماد اسم “ملعب مكسيكو سيتي” التزامًا بسياسة الاتحاد الدولي التي تمنع استخدام الأسماء التجارية للملاعب أثناء المنافسات الرسمية.
ويعرف الملعب أيضًا بلقب “عملاق سانتا أورسولا” نسبة إلى حجمه الضخم وإلى الحي الذي يحتضنه جنوب العاصمة المكسيكية.
لا تقتصر شهرة أزتيكا على استضافة المباريات، بل ارتبط اسمه ببعض اللحظات الأكثر خلودًا وإثارة للجدل في تاريخ كرة القدم.
فهو أول ملعب يحتضن نهائيين لكأس العالم؛ حيث استضاف نهائي مونديال عام 1970 الذي شهد تتويج البرازيل بقيادة بيليه، ثم نهائي مونديال عام 1986 الذي توجت فيه الأرجنتين بقيادة دييغو مارادونا.
ومع احتضانه مباريات مونديال عام 2026، أصبح أزتيكا أول ملعب في تاريخ البطولة يستضيف منافسات ثلاث نسخ مختلفة من كأس العالم؛ بعدما احتضن عشر مباريات في نسخة عام 1970 وتسع مباريات في نسخة عام 1986 قبل أن يفتح أبوابه مجددًا لاستضافة مباريات النسخة الحالية بما فيها المباراة الافتتاحية.
كما يضم الملعب عددًا من اللوحات التذكارية التي تخلد أشهر محطات المونديال، أبرزها لوحة “مباراة القرن” بين إيطاليا وألمانيا الغربية في نصف نهائي نسخة عام 1970 ولوحة “هدف القرن” الذي سجله الأسطورة الأرجنتيني دييغو مارادونا في مرمى إنجلترا عام 1986 عندما راوغ نصف الفريق الإنجليزي قبل أن يهز الشباك بأحد أعظم الأهداف في تاريخ اللعبة.
ولم يكن ذلك الهدف هو اللقطة الوحيدة التي خلدها ملعب أزتيكا في تلك المباراة؛ إذ شهد أيضًا تسجيل مارادونا هدفه الشهير “يد الله” عندما أودع الكرة الشباك بيده دون أن ينتبه الحكم، لتصبح واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل في تاريخ كأس العالم.
ولا تزال تلك الحادثة تجسد التناقض الفريد الذي ارتبط بذلك اللقاء؛ إذ جمع فيه أكثر هدفين شهرة في تاريخ البطولة: أحدهما بسبب الجدل التحكيمي والآخر بسبب العبقرية الفنية.
كما يضم الملعب أيضًا لوحات توثق أول هدف سُجّل على أرضيته وأول هدف في أول مباراة ليلية احتضنها ليصبح سجلًّا يوثق أبرز المحطات التي صنعت تاريخ كأس العالم.
If كان أزتيكا يمثل قطعة من تاريخ كرة القدم، فإنه بالنسبة للمنتخب المكسيكي تحول إلى حصن حقيقي خلال نهائيات كأس العالم.
فقد خاض المنتخب المكسيكي حتى الآن عشر مباريات على أرضية الملعب دون أن يتعرض لأي خسارة؛ محققًا ستة انتصارات وأربعة تعادلات ليصبح صاحب أفضل سجل لأي منتخب على ملعب واحد في تاريخ البطولة.
وتوزعت هذه السلسلة على ثلاث نسخ مختلفة؛ إذ لعب أصحاب الأرض ثلاث مباريات في مونديال عام 1970 وأربع مباريات في نسخة عام 1986 ثم ثلاث مباريات أخرى في مونديال عام 2026 محافظين على سجلهم الخالي من الهزائم.
وتزداد قيمة هذا الرقم بالنظر إلى ما يقدمه المنتخب المكسيكي حاليًّا؛ إذ كان واحداً من ثلاثة منتخبات فقط حققت العلامة الكاملة في دور المجموعات إلى جانب فرنسا والأرجنتين. كما كان المنتخب الوحيد الذي أنهى الدور الأول بثلاثة انتصارات دون أن تستقبل شباكه أي هدف.
ولم يتوقف التألق عند هذا الحد؛ فقد واصل المنتخب المضيف عروضه القوية بفوزه على الإكوادور (2-0) في دور الـ32 محققًا أول انتصار له بالأدوار الإقصائية لكأس العالم منذ أكثر من أربعين عامًا ليواصل كتابة واحدة من أبرز قصص البطولة.
No يتفوق أي منتخب على المكسيك فيما يتعلق بسجل عدم الخسارة على ملعب واحد خلال تاريخ كأس العالم. يأتي المنتخب الألماني ثانيًا بعد خوضه ست مباريات متتالية دون هزيمة على ملعب سان سيرو منها خمس مباريات خلال مسيرته نحو لقب مونديال عام 1990.
أما المنتخب الإنجليزي فقد حقق ست مباريات متتالية دون خسارة على ملعب ويمبلي القديم خلال طريقه نحو لقب مونديال عام 1966 بينما بقي المنتخب الإيطالي دون هزيمة لخمس مباريات على الملعب الأولمبي بروما خلال مونديال عام 1990 قبل أن يودع البطولة بركلات الترجيح أمام الأرجنتين بنصف النهائي الذي أقيم بنابولي.
كما حققت أوروغواي والبرازيل وألمانيا وفرنسا سلسلة من أربع مباريات متتالية دون خسارة على ملعب واحد وذلك على ملاعب سينتيناريو بمونديال عام 1930 وساوساليتو بنسخة عام 1962 وليون بمونديال عام 1970 وملعب فرنسا بمونديال عام 1998.
هل يصمد أزتيكا أمام إنجلترا؟
تدخل المكسيك مواجهة إنجلترا مدعومة بعاملي الأرض والجمهور وبإرث تاريخي يجعل أزتيكا واحداً من أصعب الملاعب أمام منافسيها بكأس العالم. لكن هذه الأرقام رغم أهميتها لا تمنح أصحاب الأرض بطاقة عبور مسبقة بقدر ما تضيف بعداً تاريخياً للمواجهة.
وسيكون المنتخب الإنجليزي أمام فرصة لكسر أطول سلسلة عدم خسارة على ملعب واحد بتاريخ المونديال بينما يأمل المنتخب المكسيكي تمديد رقمه القياسي وكتابة فصل جديد من العلاقة الاستثنائية التي جمعته عبر العقود بملعب تحول من مجرد منشأة رياضية إلى أحد أبرز رموز كأس العالم.

