لم تعد منافسات كأس العالم 2026 تُختزل في نتائج المباريات أو تألق النجوم داخل المستطيل الأخضر، إذ فرضت سلسلة من الأزمات نفسها على المشهد، مما حول البطولة إلى واحدة من أكثر النسخ إثارة للجدل في تاريخ المونديال، مما وضع الاتحاد الدولي لكرة القدم ورئيسه جياني إنفانتينو تحت ضغط غير مسبوق.

وبات إنفانتينو يواجه تحديًا حقيقيًا للحفاظ على صورة الفيفا، في ظل تزايد الاتهامات بأن المؤسسة الكروية الأهم في العالم فقدت قدرتها على فرض استقلالية قراراتها وإدارة البطولة بعيدًا عن الضغوط الخارجية.

رئيس الاتحاد الدولي يكسر القواعد الرياضية من أجل ترامب

كانت البداية مع القضية التي أثارت أكبر قدر من الجدل، والمتعلقة بالمهاجم الأمريكي فولارين بالوجان، بعدما قررت لجنة الانضباط في الاتحاد الدولي تعليق تنفيذ عقوبة الإيقاف التلقائي لمباراة واحدة، رغم تثبيت البطاقة الحمراء التي حصل عليها اللاعب خلال مواجهة البوسنة والهرسك في دور الـ32.

وكان بالوجان قد تعرض للطرد بعد تدخل عنيف، وأكدت تقنية حكم الفيديو المساعد صحة قرار الحكم، قبل أن يحتفل اللاعب مع زملائه عقب إشهار البطاقة الحمراء، وهو ما أدى إلى توقيع غرامة مالية عليه بلغت 40 ألف دولار إلى جانب عقوبة الإيقاف.

غير أن قرار تأجيل تنفيذ الإيقاف إلى ما بعد نهاية كأس العالم فتح الباب أمام موجة انتقادات حادة، خاصة بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه أجرى اتصالًا هاتفيًا شخصيًا مع جياني إنفانتينو، مما أثار تساؤلات واسعة حول مدى استقلالية القرارات الصادرة عن الفيفا.

ورأت عدة جهات رياضية أن القضية تجاوزت مجرد تعديل عقوبة انضباطية لتصبح نموذجًا خطيرًا لاحتمال تأثير الاعتبارات السياسية على سير البطولة، وهو ما اعتبره كثيرون ضربة مباشرة لمصداقية الاتحاد الدولي.

مباراة مصر والأرجنتين تهدد نزاهة التحكيم

ولم تمضِ فترة طويلة حتى انتقلت دائرة الجدل إلى أرضية الملعب، بعدما أثارت مواجهة مصر والأرجنتين في دور الـ16 عاصفة من الاعتراضات بسبب الأداء التحكيمي.

ورغم المستوى المميز الذي قدمه منتخب مصر أمام حامل اللقب، إلا أن الحديث بعد المباراة انصرف بالكامل إلى عدد من القرارات التحكيمية المثيرة للجدل التي رأى متابعون أنها أثرت بصورة مباشرة في مجريات اللقاء.

وزادت الانتقادات مع عدم لجوء الحكم إلى تقنية الفيديو في بعض الحالات المؤثرة، بالإضافة إلى تجاهل لقطات اعتبرها كثيرون تستحق المراجعة، مما فتح الباب أمام موجة من الاتهامات بشأن غياب العدالة التحكيمية.

وأصبحت المباراة واحدة من أكثر مواجهات البطولة إثارة للنقاش بعدما اعتبر عدد كبير من الجماهير والمحللين أن ما حدث أضر بصورة كأس العالم وأعاد إلى الواجهة الشكوك القديمة المتعلقة بإدارة المباريات الكبرى.

أزمة دبلوماسية جديدة بسبب مبابي

ولم تتوقف المشكلات عند حدود القرارات الإدارية أو التحكيمية، إذ شهدت البطولة أزمة أخرى بعد المشادة التي جمعت النجم الفرنسي كيليان مبابي بإحدى عضوات مجلس الشيوخ في باراجواي.

وتحولت الواقعة خلال وقت قصير من خلاف فردي إلى قضية ذات أبعاد سياسية ودبلوماسية استدعت تدخلات رسمية لاحتواء تداعياتها ومنع تصاعدها. وأظهرت هذه الأزمة حجم التحديات التي تواجه اللجنة المنظمة خارج المستطيل الأخضر بعدما أصبحت البطولة ساحة لتشابك ملفات رياضية وسياسية في آن واحد مما زاد الضغوط المفروضة على إدارة الفيفا.

إنفانتينو يفقد سلطته ويدخل في عزلة سياسية

وفي تطور جديد كشفت صحيفة “التايمز” البريطانية أن المكانة السياسية لجياني إنفانتينو تعرضت لضرر بالغ عقب أزمة بالوجان. وأكدت الصحيفة أن القرار الخاص بتأجيل تنفيذ عقوبة الإيقاف تسبب في اهتزاز الثقة بقيادة رئيس الاتحاد الدولي.

وأضافت الصحيفة أن عددًا من الدول الأعضاء بدأ يدرس سحب دعمه لإنفانتينو بعدما اعتبر أن القرار ألحق ضررًا كبيرًا بمبدأ نزاهة المنافسات. كما أشارت إلى أن تحالفًا يضم ألمانيا وهولندا وبلجيكا والنرويج وسويسرا أعلن رفضه للخطوة التي اتخذتها لجنة الانضباط. بينما بدأت مصر والسنغال مراجعة موقفهما من التحالفات القائمة داخل الاتحاد الدولي.

ورغم أن التوقعات تشير إلى أن إنفانتينو سيخوض انتخابات رئاسة الفيفا المقبلة دون منافس، فإن التقارير تؤكد أن نفوذه داخل أروقة الاتحاد لم يعد بالقوة التي كان يتمتع بها خلال السنوات الماضية.

غضب إفريقي داخل معسكر حكام المونديال

تتصاعد حالة من الاستياء داخل معسكر الحكام المشاركين في كأس العالم 2026 المقام بمدينة ميامي الأمريكية. حيث أبدى عدد من الحكام الأفارقة اعتراضهم على استمرار استبعادهم من إدارة مباريات الأدوار الإقصائية رغم تواجدهم ضمن قائمة حكام البطولة.

وبحسب تقارير إعلامية فإن عددًا من الحكام الأفارقة يشعرون بالإحباط نتيجة عدم تكليفهم بإدارة أي مباراة منذ انطلاق منافسات دور الـ32. بينما يواصلون المشاركة في التدريبات والاجتماعات اليومية دون الحصول على فرصة للظهور في المباريات الرسمية.

وأشارت التقارير إلى أن استمرار هذا الوضع عزز شعور الحكام بالتهميش داخل البطولة دون أن يشارك بعضهم في إدارة أي مواجهة خلال الأدوار الإقصائية.

وفي محاولة لفهم أسباب استبعادهم نقل الحكام الأفارقة استياءهم إلى الجنوب أفريقي فيكتور جوميز عضو لجنة حكام الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” مطالبين بتوضيح معايير اختيار الحكام للمباريات الحاسمة والوقوف على أسباب غيابهم عن قائمة التعيينات.

ورغم تلك المطالب لم تشهد الأزمة أي انفراجة حتى الآن إذ تمسكت لجنة الحكام في الاتحاد الدولي برئاسة الإيطالي بييرلويجي كولينا وبمشاركة مدير إدارة التحكيم السويسري ماسيمو بوساكا بسياسة التعيينات المعتمدة منذ انطلاق البطولة دون إجراء أي تعديلات استجابة للاعتراضات.

وبين الانتقادات السياسية والأزمات التحكيمية والانقسامات داخل الفيفا يجد جياني إنفانتينو نفسه أمام أصعب اختبار منذ توليه رئاسة الاتحاد الدولي. وفي وقت باتت فيه سمعة كأس العالم 2026 محور نقاش عالمي يتجاوز حدود كرة القدم.