رغم أن مباراة تحديد المركز الثالث عادة ما تُلعب بأقل قدر من الضغوط، فإن المواجهة بين إنجلترا وفرنسا تحولت إلى واحدة من أكثر مباريات كأس العالم إثارة على الإطلاق، وانتهت بفوز إنجلترا 6-4.

المباراة كشفت الكثير عن أفكار توماس توخيل وديدييه ديشان، وأظهرت كيف يمكن أن يتغير السيناريو التكتيكي بالكامل بين شوط وآخر.

بداية إنجليزية ضاغطة واستغلال مثالي للأخطاء

دخل توماس توخيل المباراة بتشكيلة احتياطية إلى حد كبير، لكنه حافظ على أسلوب الضغط المبكر واللعب المباشر بمجرد استعادة الكرة.

جاء الهدف الأول بعد ضغط ناجح على ديزيري دويه في وسط الملعب، لتتحول الكرة بسرعة إلى ديكلان رايس الذي استغل المساحات أمام دفاع فرنسا وسدد من خارج المنطقة.

هذا الهدف المبكر منح إنجلترا أفضلية نفسية، لكنه أيضًا أجبر فرنسا على فتح خطوطها مبكرًا.

الضربات الثابتة أحد مفاتيح اللقاء

بعد الهدف الأول، بدأت إنجلترا تستغل نقطة ضعف واضحة في التنظيم الدفاعي الفرنسي داخل منطقة الجزاء.

ركنية نفذها ديكلان رايس وصلت إلى إزري كونسا الذي سجل الهدف الثاني بسهولة.

لم يكن هذا مجرد هدف من كرة ثابتة، بل نتيجة لتحركات مدروسة داخل المنطقة، حيث نجح الإنجليز في تحرير كونسا من الرقابة بالكامل.

رايس لم يكتف بالتسجيل، بل قدم تمريرتين حاسمتين من ركلتين ركنيتين خلال البطولة، وهو رقم لم يتحقق للاعب إنجليزي منذ ديفيد بيكهام في مونديال 2002.

ثنائية ساكا… انهيار دفاعي فرنسي

مع تقدم فرنسا للأمام، أصبحت المساحات خلف الدفاع هائلة، فاستغل بوكايو ساكا وماركوس راشفورد هذا الأمر بشكل مثالي.

في الهدف الثالث، تبادل الثنائي التمريرات القصيرة داخل المنطقة بطريقة أربكت الدفاع الفرنسي تمامًا.

أما الهدف الرابع فجاء بعد تمريرة إيزي، ليجد ساكا نفسه مرة أخرى داخل منطقة جزاء خالية تقريبًا من الرقابة.

خلال أول 45 دقيقة، لم تكن المشكلة في جودة لاعبي فرنسا، بل في ضعف التغطية الدفاعية، خصوصًا على الأطراف وأنصاف المساحات. ولهذا استقبل “الديوك” أربعة أهداف في شوط واحد لأول مرة في بطولة كبرى.

بين الشوطين.. ديشان يغير كل شيء

أدرك ديدييه ديشان أن فريقه لا يستطيع الاستمرار بالطريقة نفسها فأجرى أربعة تغييرات دفعة واحدة. دخل عثمان ديمبيلي وبرادلي باركولا كما شارك أوباميكانو ودينيي.

التغييرات لم تكن أسماء فقط، بل غيرت شكل فرنسا بالكامل. إذ تحول أوليسيه إلى صانع لعب حر خلف مبابي وأصبح الفريق أكثر سرعة في نقل الكرة وزاد عدد اللاعبين داخل منطقة الجزاء.

If كان مبابي هو الهداف، فإن مايكل أوليسيه كان العقل المدبر حيث صنع هدفين جديدين في المباراة ليصل إلى سبع تمريرات حاسمة في البطولة. وهو رقم قياسي جديد في تاريخ كأس العالم متجاوزًا بيليه.

تحركاته بين الخطوط أجبرت وسط إنجلترا على التراجع باستمرار كما منح مبابي مساحات لم تكن موجودة طوال الشوط الأول. لكن إهداره للفرص السانحة كان النقطة السلبية الوحيدة في أدائه الرائع.

مبابي واستغلال التحول الهجومي

مع تحرر أوليسيه ووجود باركولا وديمبيلي، وجد مبابي نفسه أخيرًا في مواقف مواجهة مباشرة مع الدفاع وسجل هدفين خلال أقل من عشرين دقيقة. وأصبح أول لاعب في تاريخ كأس العالم يصل إلى 22 هدفًا في مسيرته بالمونديال متجاوزًا ليونيل ميسي مؤقتًا. عادت فرنسا من 4-0 إلى 4-3 وأصبحت المباراة بالكامل في اتجاه واحد.

توخيل لم يكرر خطأ الأرجنتين

في نصف النهائي أمام الأرجنتين، تراجع توخيل مبكرًا ودفع ثمن ذلك. لكن هذه المرة ورغم عودة فرنسا لم يواصل التراجع حيث استعاد السيطرة تدريجيًا معيدًا الفريق للضغط ومحاولًا استغلال اندفاع الفرنسيين دفاعيًا. ورغم استقبال أربعة أهداف نجح في إعادة التوازن خلال الدقائق الأخيرة.

ركلة جزاء تنهي الانتفاضة

بعد أن أصبحت النتيجة 4-3 اندفعت فرنسا بكل خطوطها بحثًا عن التعادل. لكن ذلك ترك مساحات كبيرة خلف الدفاع استغلها الإنجليز ليحصلوا على ركلة جزاء بعد عرقلة دجيد سبينس. ترك جود بيلينغهام تنفيذها إلى بوكايو ساكا وسجل جناح أرسنال هدفه الثالث ليحقق أول “هاتريك” في مسيرته بكأس العالم.

نهاية مفتوحة حتى الثانية الأخيرة

حتى بعد هدف ساكا الخامس لم تستسلم فرنسا حيث سجل عثمان ديمبيلي الهدف الرابع في الوقت بدل الضائع. لكن اندفاع “الديوك” بالكامل نحو الأمام منح إنجلترا هجمة مرتدة أخيرة استغلها جود بيلينغهام ليسجل الهدف السادس ويحسم المباراة نهائيًا.