إيست راذفورد – (أ ب):.
لم يعد ليونيل ميسي قادرًا على صنع المعجزات، فبعد عشرين عامًا من ظهوره الأول في كأس العالم، ومسيرة كروية جعلته يتفوق على بيليه ودييجو مارادونا في نظر كثيرين باعتباره أعظم لاعب في تاريخ كرة القدم، لم يتمكن النجم الأرجنتيني، البالغ من العمر 39 عامًا، من قيادة منتخب بلاده ليصبح أول منتخب يحتفظ بلقب كأس العالم منذ أكثر من نصف قرن.
وفرض المنتخب الإسباني أفضليته على نظيره الأرجنتيني منذ صافرة البداية في ملعب ميتلايف، حيث كانت الغالبية الساحقة من بين 80 ألفًا و663 متفرجًا تأمل في رؤية الأرجنتين تحتفظ باللقب. لكن فيران توريس سجل هدف المباراة الوحيد بعد 37 ثانية فقط من انطلاق الشوط الإضافي الثاني، ليقود إسبانيا للفوز بهدف نظيف وإحراز لقبها الثاني في كأس العالم.
وبدلاً من أن يصبح ميسي بطلاً للعالم للمرة الثانية، انتقل التاج إلى إسبانيا. كافح النجم الأرجنتيني ليحبس دموعه، بينما بدا الحزن واضحًا على وجهه وهو يقف مع زملائه أمام جماهير الأرجنتين التي صفقت لهم وانحنت تحية لهم في المدرج الجنوبي، في الوقت الذي كان فيه نجوم إسبانيا يرفعون الكأس على منصة التتويج وسط الملعب.
بعد أن قاد الأرجنتين إلى لقب مونديال 2022 بالفوز على فرنسا في النهائي، وبينما كان قد حقق لقبين متتاليين في كوبا أمريكا، وجد ميسي هذه المرة نفسه يخفض رأسه ويعض على شفتيه ويضع يديه على خصره. بينما كان لامين يامال، الذي تجاوز عيد ميلاده التاسع عشر بأيام قليلة وينظر إليه باعتباره النجم المقبل لكرة القدم العالمية، يركض للاحتفال مع فيران توريس عقب تسجيل هدف الفوز.
وقال ليونيل سكالوني، مدرب الأرجنتين: “أتمنى أن يشعر الجميع بالفخر تجاهه وبكل ما حققه، لأنه أفضل لاعب كرة قدم وطأت قدماه أرض الملعب”.
وجاء تفوق إسبانيا في المباراة النهائية امتدادًا لهيمنتها طوال البطولة، حيث رفعت سلسلة مبارياتها بدون هزيمة إلى 38 مباراة، وهو الرقم الأطول لمنتخب أوروبي.
وسدد المنتخب الإسباني 20 كرة مقابل محاولتين فقط للأرجنتين، وهو ثاني أكبر فارق في عدد التسديدات بتاريخ نهائيات كأس العالم منذ بدء تسجيل هذه الإحصائية عام 1966. كما تفوقت إسبانيا أيضًا في عدد التمريرات بواقع 845 تمريرة مقابل 433.
استقبلت إسبانيا هدفًا واحدًا فقط طوال البطولة، وهو أقل عدد من الأهداف يستقبله بطل لكأس العالم. كما سجلت 14 هدفًا وتفوقت بإجمالي التسديدات خلال البطولة بنتيجة 145 مقابل 45. أما الحارس أوناي سيمون فاكتفى بعشر تصديات فقط خلال ثماني مباريات، بينما اضطر الحارس الأرجنتيني إيميليانو مارتينيز إلى القيام بـ11 تصديًا في النهائي وحده.
عندما غادر ميسي كرة القدم الأوروبية قبل ثلاثة أعوام متوجهًا إلى الدوري الأمريكي بعد الفوز بأربع بطولات لدوري أبطال أوروبا و12 لقبًا للدوري مع برشلونة وباريس سان جيرمان، توقع البعض أن يكون مجرد نجم كبير أنهى مسيرته وانتقل إلى فلوريدا.
لكن ميسي قاد إنتر ميامي للفوز بلقب الدوري الأمريكي ثم أعاد الأرجنتين إلى نهائي كأس العالم بعدما سجل ثمانية أهداف وصنع أربعة أخرى. وخاض رقمًا قياسيًا بلغ 34 مباراة في كأس العالم عبر ست نسخ، كما رفع رصيده إلى 21 هدفًا في البطولة وهو الرقم القياسي الذي تجاوزه الفرنسي كيليان مبابي بعدما سجل هدفين في مباراة المركز الثالث يوم السبت ليرفع رصيده إلى 22 هدفًا.
كما أصبح ميسي أول لاعب يبدأ أساسيًّا في ثلاثة نهائيات لكأس العالم ورفع رصيده من الأهداف الدولية إلى 125 هدفًا ليأتي بالمركز الثاني خلف البرتغالي كريستيانو رونالدو صاحب الـ146 هدفًا. وأصبح يُذكر باستمرار إلى جانب مارادونا وبيليه والأخير لا يزال اللاعب الوحيد المتوج بكأس العالم ثلاث مرات.
بخطواته الهادئة المميزة وذراعيه المتأرجحتين بجانبيه انتظاراً للحظة المناسبة للانطلاق، ظل المهاجم القصير القامة البالغ طوله متر و70 سم محط أنظار الجميع كلما استلم الكرة على الجهة اليمنى. وكان المنافسون والجماهير يترقبون انطلاقته نحو العمق وتسديدته اليسرى القاتلة.
لم يلمس ميسي الكرة سوى 15 مرة في الشوط الأول وأنهى المباراة بـ54 لمسة فقط على الملعب ذاته الذي شهد أكثر لحظات الإحباط في مسيرته الدولية عندما أعلن اعتزاله اللعب الدولي عقب خسارة نهائي كوبا أمريكا عام 2016 أمام تشيلي بركلات الترجيح قبل أن يتراجع عن قراره بعد 47 يومًا ويقود الأرجنتين لاحقاً إلى لقبها العالمي الثالث.
أمام إسبانيا لم يحصل ميسي على أي فرصة حقيقية للتسجيل كما فشلت تمريراته إلى زملائه في الوصول إلى أهدافها.
قال لويس دي لا فوينتي مدرب إسبانيا: “كانت فكرتنا الأولى هي الحد من خطورة ميسي”.
بعد صافرة النهاية توجه عدد كبير من لاعبي إسبانيا نحو ميسي لاحتضانه ومواساته. أما هو فسقط على أرض الملعب واضعاً يديه خلفه ومحدقاً في الفراغ.
عندما اصطف لاعبو إسبانيا لاحقاً لتشكيل ممر شرفي أمام لاعبي الأرجنتين أثناء توجههم لاستلام الميداليات الفضية حاول ميسي أن يبتسم لكنه لم يستطع واكتفى بملامح جامدة وهو يمر بين اللاعبين بينما ربت بعض منافسيه على ظهره وصدره.
باتت إسبانيا القوة الأولى لكرة القدم العالمية وأول دولة تجمع بين لقبي كأس العالم للرجال والسيدات. وبينما كانت قصاصات الورق الذهبية تتساقط احتفالاً بالأبطال الإسبان غادر ميسي الملعب من أحد المخارج الجانبية تتدلى من عنقه الميدالية الفضية وكتفاه منحنيتان وملامح الحزن تكسو وجهه.

