أحرز المنتخب الإسباني كأس العالم للمرة الثانية في تاريخه، بعد فوزه على الأرجنتين في نهائي مثير، بهدف دون رد في الوقت الإضافي الثاني، ليضيف اللقب الثاني إلى خزائنه بعد تتويجه الأول عام 2010.
جاء الانتصار الإسباني تتويجًا لنسخة استثنائية قدم خلالها المنتخب أداءً قويًا، مستفيدًا من جيل شاب يجمع بين المهارة والجرأة والانضباط التكتيكي، قبل أن يحسم النهائي أمام حامل اللقب الأرجنتيني.
وفرض المنتخب الإسباني أسلوبه وسيطرته على المباراة لفترات طويلة، مستفيدًا من قدرته الكبيرة على الاحتفاظ بالكرة وتحريكها بسرعة بين الخطوط. في المقابل، وجد المنتخب الأرجنتيني نفسه مضطرًا للتراجع والدفاع في مناطقه، مما أفقده سلاحه الأهم وهو القدرة على بناء الهجمات من الخلف.
وكان لامين جمال اللاعب الأكثر إزعاجًا للدفاع الأرجنتيني طوال المباراة. فكلما حصل الجناح الإسباني على الكرة في المساحات القريبة من منطقة الجزاء، بدا قادرًا على صناعة الخطورة سواء من خلال التوغلات الفردية أو التمريرات التي فتحت ثغرات في الخط الدفاعي الأرجنتيني.
في التقرير التالي، نستعرض أبرز الجوانب الفنية والتكتيكية التي صنعت تفاصيل مواجهة الأرجنتين وإسبانيا، وأسباب تفوق “لاروخا”.
سيطرة إسبانية مطلقة
الإحصائيات تؤكد أن المباراة كانت في اتجاه واحد تقريبًا من حيث السيطرة والاستحواذ. فقد استحوذت إسبانيا على الكرة بنسبة 65% مقابل 35% للأرجنتين، وهو فارق كبير في مباراة امتدت إلى 120 دقيقة.
كما سدد المنتخب الإسباني 20 كرة، منها 12 تسديدة على المرمى، بينما عانت الأرجنتين بشكل واضح من العجز الهجومي، إذ لم تنجح في تسجيل أول تسديدة لها على المرمى إلا في الدقائق الأخيرة من الوقت الإضافي الثاني عندما وصلت إلى محاولتين، واحدة منهما بين القائمين والعارضة.
الفارق كان واضحًا أيضًا في تداول الكرة. فقد مررت إسبانيا 852 تمريرة نجحت منها 762 مقابل 463 تمريرة للأرجنتين لم تنجح إلا في 358.
والأهم من مجرد عدد التمريرات أن إسبانيا لم تكن تستحوذ على الكرة فقط في مناطقها بل نجحت أيضًا في نقل اللعب إلى نصف الملعب الأرجنتيني بصورة مستمرة. حيث بلغ عدد تمريراتها في منتصف ملعب المنافس 513 تمريرة، وهو رقم يعكس مدى قدرتها على فرض المباراة بالقرب من المرمى الأرجنتيني.
أما من حيث تمركز اللعب فقد جرى 32% من المباراة في منتصف الملعب الأرجنتيني مقابل 20.5% فقط في المناطق الإسبانية بينما استحوذ وسط الملعب على 47.5% من زمن اللعب. هذه الأرقام تعكس مباراة مغلقة من حيث المساحات لكنها تكشف أيضًا أن المنتخب الإسباني كان الأكثر قدرة على دفع منافسه إلى الخلف والاحتفاظ بالكرة في مناطقه.
إيميليانو مارتينيز يؤجل سقوط الأرجنتين
ورغم التفوق الإسباني فإن المنتخب الأرجنتيني بقي داخل المباراة بفضل حارسه إيميليانو مارتينيز الذي قدم واحدة من أبرز مبارياته على المستوى الفردي.
الحارس الأرجنتيني تصدى لعدد من المحاولات الخطيرة ونجح في إبقاء شباكه نظيفة طوال الوقت الأصلي رغم أن الضغط الإسباني لم يتوقف.
لم يكن مارتينيز مجرد حارس يتصدى للتسديدات بل كان يمثل آخر خط دفاع أمام منتخب إسباني نجح في الوصول إلى مناطق الأرجنتين بشكل متكرر. وفي كثير من مراحل المباراة بدا أن استمرار التعادل يعود إلى تألق الحارس أكثر مما يعود إلى قدرة الدفاع الأرجنتيني على التحكم في مجريات اللعب.
لكن حتى مارتينيز لم يكن قادرًا على الصمود إلى ما لا نهاية. فمع استمرار الضغط وتراجع الأرجنتين كان الهدف الإسباني مسألة وقت خصوصًا بعد أن أصبحت المساحات أكبر في الخطوط الأرجنتينية.
البدلاء يصنعون الفارق
وكما يحدث في المباريات الكبرى لعبت التغييرات الإسبانية دورًا حاسمًا في تغيير شكل الهجوم. دخول فيران توريس في الدقيقة 62 منح المنتخب الإسباني مهاجمًا أكثر قدرة على التحرك داخل منطقة الجزاء بينما أضاف دخول نيكو ويليامز سرعة وطاقة إضافية على الأطراف.
وفي الدقيقة 106 أثبت البديلان أن قرارات المدرب الإسباني كانت صحيحة. فقد نجح نيكو ويليامز في تهيئة الكرة برأسه قبل أن يستغل فيران توريس المساحة ويسدد كرة قوية استقرت في سقف المرمى الأرجنتيني معلنًا تقدم إسبانيا.
الهدف لم يكن ضربة حظ بل كان نتيجة طبيعية للضغط الإسباني المتواصل. فإسبانيا حاولت الوصول إلى المرمى بالتمرير وبالتوغلات الفردية وبالتغيير المستمر لمراكز اللاعبين وعندما لم تنجح بطرقها المعتادة جاء الحل عبر كرة عرضية وتمهيد رأسي وإنهاء مباشر داخل المنطقة.
طرد إينزو يزيد معاناة الأرجنتين
وكان طرد إينزو فرنانديز خلال الوقت الضائع لحظة مفصلية. فالمنتخب الأرجنتيني كان يعاني أصلًا من صعوبة الاحتفاظ بالكرة ومن ثم فإن خسارة لاعب وسط الملعب جعلت المهمة أكثر تعقيدًا وقللت قدرة الفريق على الخروج من مناطقه أو الضغط على حامل الكرة الإسباني.
لم يكن الطرد السبب الوحيد لتراجع أداء الأرجنتين لكنه جعل الوضع أكثر صعوبة خصوصًا أن إسبانيا كانت تملك التفوق العددي بالفعل. ومع مرور الوقت أصبحت المساحات أكبر وتراجعت قدرة الأرجنتين على حماية الخطوط الخلفية مما منح إسبانيا مزيدًا من الحرية لبناء الهجمات.
دي لا فوينتي وسكالوني.. واقعية إدارة المباراة
من الصعب تحميل ليونيل سكالوني مسؤولية هذا التفوق الإسباني. فالمنتخب الأرجنتيني لعب وفق إمكانياته وحاول تقليل المساحات والاعتماد على التحولات لكنه واجه منتخبًا كان أقوى منه وسط الملعب وأكثر قدرةً على الاحتفاظ بالكرة.
المشكلة لم تكن بالضرورة خطة أراجنيتن بل كانت بسبب امتلاك إسبانيا الأدوات اللازمة للتعامل معها. وسط ملعب لاروخا كان قادرًا على تدوير الكرة بسرعة بينما كان دفاعه منظماً ولم يمنح للأرجنتين الكثير من المساحات كما أن المنتخب الإسباني لم يتشبث بخطة واحدة بل حاول تغيير طريقة الوصول للمرمى عبر التبديلات وتغيير مراكز اللاعبين.
<pأما لويس دي لا فوينتي فكان مدرباً واقعياً بإدارة المباراة حيث واصل البحث عن الحلول حتى نجح أخيرًا بالوصول للهدف ولم يتوقف عند فشل المحاولات الأولى وبالفعل جاء الحسم مع دخول لاعبين كبديلين مما يعكس نجاح الجهاز الفني الإسباني بقراءة المباراة واستغلال عمق دكة البدلاء.
ميسي.. حاضر بالاسم وغائب عن التأثير
<pأما ليونيل ميسي فكان كما اعتاد يتحرك بين الخطوط ويحاول قراءة المباراة والبحث عن المساحات والأخطاء لكن هذه المرة واجه مشكلة كبيرة: عدم وجود مساحة أو إمداد كافٍ له.
Cقوة وسط الملعب الإسباني وفي مقدمتها رودري جعلت وصول الكرة إلى ميسي صعباً للغاية فكلما حاول اللاعبون بناء الهجمة وجدوا أنفسهم أمام ضغط إسباني أو خطوط تمرير مغلقة مما حول ميسي إلى لاعب ينتظر الكرة أكثر مما يصنع بها واضطر أحياناً للتراجع للبحث عنها.
<<pولأن ميسي لم يحصل على الإمداد اللازم اختفى الجزء الأكبر من الهجوم وهذا ليس مرتبطاً بتراجع مستوى اللاعب وحده بل بعزلة هجومية فرضتها سيطرة إسبانيا الواضحة على وسط الملعب ولهذا لم يظهر المنتخب الارجنيتي هجوميّاً بصورة حقيقية إلا بالدقائق الأخيرة عندما بدأت المباراة تنفتح وظهرت المساحات المطلوبة لتحقيق هجمات فعالة.

