قد يبدو القناع الأسود الذي يرتديه بعض نجوم كرة القدم مجرد وسيلة لحماية الوجه، لكنه في الواقع نتاج عملية طبية وهندسية معقدة، تبدأ من غرفة الأشعة وتنتهي باختبارات تحاكي أقوى الالتحامات داخل الملعب، بهدف إعادة اللاعبين إلى المنافسات بأسرع وقت ممكن دون تعريضهم لخطر إصابات جديدة.
كشف تقرير لموقع (The Athletic) تفاصيل صناعة الأقنعة الواقية التي يرتديها لاعبو كرة القدم بعد كسور الوجه، مستعرضًا تجربة النجم الفرنسي كيليان مبابي، التي تحولت إلى نموذج يوضح كيف تتعاون فرق من الأطباء والمهندسين والمصممين لإنتاج قناع مخصص لكل لاعب خلال وقت قياسي.
درع مؤقتة
يؤكد الأطباء أن القناع الواقي لا يعالج الكسر ولا يمنع حدوث إصابة جديدة بشكل كامل، لكنه يعمل كدرع يمتص قوة الصدمة ويوزعها على مناطق أكثر صلابة في الجمجمة، ما يقلل الضغط على العظم المصاب الذي لم يلتئم بعد.
تعد كسور الأنف وعظام الوجنة والفك من أكثر إصابات الوجه شيوعًا في كرة القدم، لذلك يظهر عدد من اللاعبين في البطولات الكبرى وهم يرتدون هذه الأقنعة حتى يتمكنوا من العودة إلى المباريات قبل اكتمال فترة التعافي.
كما يمنح القناع كثيرًا من اللاعبين شعورًا أكبر بالأمان والثقة عند الالتحامات.
كيف يُصنع القناع؟
تبدأ العملية بتقييم جراحي الوجه والفكين للإصابة وتحديد المناطق التي تحتاج إلى الحماية، ثم يتم إجراء مسح ثلاثي الأبعاد لوجه اللاعب باستخدام أجهزة تصوير دقيقة.
بناءً على هذا النموذج الرقمي، يتم تصميم القناع بحيث يراعي التورم والكدمات، ويوفر رؤية واضحة وتنفسًا طبيعيًا، مع توزيع قوة أي اصطدام محتمل بعيدًا عن موضع الكسر.
مبابي وسباق مع الزمن
بعد إصابة كيليان مبابي بكسر في الأنف خلال بطولة أمم أوروبا 2024، احتاج إلى وسيلة تسمح له بمواصلة البطولة رغم أن الأطباء قدروا فترة التعافي بنحو ستة أسابيع. استفادت شركة (Oakley) من مسح ثلاثي الأبعاد لوجه مبابي كانت قد احتفظت به منذ عام 2022، لتبدأ فورًا في تصميم قناع يناسب وجهه بدقة.
استخدم المصممون الطباعة ثلاثية الأبعاد لإنتاج نموذج مطابق لرأس اللاعب، ثم صنعوا القناع مع ترك مسافة مناسبة للحشوات الواقية بين الوجه والسطح الداخلي. وللتأكد من متانته، أخضع الفريق القناع لاختبارات عنيفة، إذ أطلقت كرات قدم بسرعة عالية على نموذج رأس مبابي لمحاكاة أقصى الصدمات التي قد يتعرض لها أثناء المباريات.
لماذا ألياف الكربون؟
يوضح التقرير أن معظم الأقنعة الواقية الحديثة تُصنع من ألياف الكربون لأنها خفيفة للغاية وتتميز بقدرة كبيرة على تحمل الصدمات، كما تُغطى أحيانًا بطبقة مطاطية لتقليل الاحتكاك ومنع تهيج الجلد. أما قناع مبابي فصُنع من مادة بلاستيكية بسبب ضيق الوقت، رغم أن المصممين أكدوا أنهم كانوا سيختارون ألياف الكربون لو أتيحت لهم مهلة أطول.
ليس مريحا دائمًا
ورغم نجاح القناع في حماية مبابي وعودته للمشاركة في أربع مباريات، فإن اللاعب اعترف لاحقًا بأنه لم يشعر بالراحة أثناء ارتدائه، مشيرًا إلى أن القناع حدّ من مجال رؤيته وتسبب في تراكم العرق حول عينيه. وقال مبابي لاحقًا: “لو عاد بي الزمن لما لعبت وأنا مصاب، لكن لم يكن لدي خيار آخر… لم أكن أستطيع اللعب من دون القناع”. تؤكد هذه التجربة أن الأقنعة الواقية ليست مجرد قطعة من المعدات الرياضية بل وسيلة طبية متطورة توازن بين سلامة اللاعب ورغبته في الاستمرار بالمنافسة في واحدة من أكثر الرياضات احتكاكًا في العالم

