في الماضي، كانت استراتيجيات الأمن السيبراني تعتمد بشكل أساسي على الدفاع السلبي أو رد الفعل، حيث تنتظر برامج الحماية الجدارية ومضادات الفيروسات حدوث هجوم أو اكتشاف برمجية خبيثة معروفة مسبقًا لتقوم بحظرها. ومع تطور حيل المخترقين واستخدامهم لبرمجيات تتغير باستمرار (Polymorphic Malware)، لم يعد هذا النهج كافيًا.
ظهر مفهوم “صيد التهديدات السيبرانية” (Threat Hunting) كاستراتيجية استباقية ومتقدمة، حيث لا تنتظر المؤسسات انطلاق صافرات الإنذار، بل تقوم بالبحث النشط والمستمر داخل شبكاتها لاكتشاف المخترقين المتخفين الذين نجحوا بالفعل في تجاوز خطوط الدفاع الأولى.
كيف تختلف هذه التقنية عن برامج الحماية التقليدية؟
يعتمد صيد التهديدات المدعوم بالذكاء الاصطناعي على استراتيجيات تحليلية عميقة تفوق قدرات الأنظمة التقليدية من خلال الآليات التالية:
1- التحليل السلوكي المتقدم (Behavioral Analytics): يقوم النظام برسم ملفات تعريف دقيقة لكل كيان في الشبكة، ويقارن الأنشطة الحالية بالأنشطة التاريخية لاكتشاف الهجمات التي لا تستخدم ملفات خبيثة (Fileless Attacks) بل تعتمد على استغلال أدوات النظام الشرعية.
2- أتمتة الارتباط والتحليل (Automated Correlation): يربط الذكاء الاصطناعي بين أحداث تبدو غير مترابطة في أجزاء مختلفة من الشبكة؛ فمحاولة تسجيل دخول فاشلة من خادم، متبوعة بنقل بيانات غير معتاد من جهاز آخر، يتم تجميعها في مشهد واحد يوضح مسار الهجوم المتوقع.
3- التعلم المستمر والتكيف: مع كل محاولة اختراق أو إنذار كاذب، يقوم النظام بتحديث نماذجه الخوارزمية ذاتيًا ليصبح أكثر دقة في المستقبل، مما يقلل من إرهاق فرق الأمن السيبراني بسبب التنبيهات غير المهمة.
الخطوات العملية لتطبيق صيد التهديدات في المؤسسات
لا يقتصر هذا النهج الاستباقي على الشركات التكنولوجية العملاقة، بل يجب أن يكون جزءًا من استراتيجية أمنية شاملة لأي مؤسسة حديثة عبر تنفيذ خطوات واضحة:
1- جمع البيانات الشاملة: يجب تفعيل أنظمة تجميع السجلات (Logs) من جميع الأجهزة والخوادم والتطبيقات السحابية وربطها بمنصة مركزية تتيح لخوارزميات الذكاء الاصطناعي رؤية شاملة لكل ما يحدث في الشبكة.
2- بناء فرضيات الصيد: يقوم فريق الأمن السيبراني، بمساعدة الذكاء الاصطناعي، بصياغة فرضيات حول كيفية احتمال اختراق النظام (مثل: “هل توجد حسابات مسروقة تُستخدم لتسريب البيانات حالياً؟”) ويبدأ النظام في تمشيط البيانات لاختبار هذه الفرضية.
3- الاستجابة الفورية والعزل: بمجرد أن يؤكد الذكاء الاصطناعي وجود تهديد متخفٍ، يتم اتخاذ إجراءات آلية وسريعة مثل عزل الجهاز المصاب عن الشبكة وإلغاء صلاحيات الحساب المخترق قبل أن يتمكن المهاجم من تشفير البيانات أو سرقتها.

