سر النداء القرآني للسيدة مريم.. أجاب الدكتور مختار مرزوق عبدالرحيم، أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر فرع أسيوط، عن تساؤل ورد إليه بشأن قول الله تعالى في سورة مريم: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾، متسائلًا: هل المقصود بهارون هنا هو النبي هارون أخو سيدنا موسى عليهما السلام؟ وما الحكمة من عدم رد السيدة مريم بنفسها على اتهامات قومها؟
متى عادت السيدة مريم إلى قومها؟
وأوضح أستاذ التفسير أن الآيات تتحدث عن السيدة مريم عليها السلام بعد حملها بالسيد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام من غير أن يمسها بشر، ثم بعد ولادته وما صاحب ذلك من معجزات ربانية.
وأشار إلى ما نقله بعض المفسرين، ومنهم الإمام الآلوسي، من أن عودة السيدة مريم إلى قومها كانت بعد أربعين يومًا من ولادتها، وبعد أن طهرت من نفاسها، فجاءت تحمل طفلها بين يديها.
لماذا اتهم قومها السيدة مريم؟
وأضاف أن قومها استقبلوها بالإنكار الشديد، كما ورد في قوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾، أي أمرًا عظيمًا ومنكرًا في نظرهم، لأنهم رأوا طفلًا معها دون أن يعلموا لها زوجًا.
وبيّن أن مرادهم من هذا الكلام كان اتهامها بما هي بريئة منه، وهو ما تؤكده الآيات التالية التي ذكّرتها بأصلها الطيب وأسرتها المعروفة بالصلاح والعفاف.
من هو هارون المذكور في الآية؟
وأكد الدكتور مختار مرزوق أن المقصود بـ«هارون» في الآية ليس النبي هارون أخا سيدنا موسى عليه السلام، وإنما هو رجل صالح من قوم السيدة مريم اشتهر بالتقوى والاستقامة، أو أحد أقاربها كان يحمل هذا الاسم.
واستشهد في ذلك بما ورد في الحديث النبوي الشريف الذي رواه الإمام مسلم، عندما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية والفارق الزمني الكبير بين موسى وعيسى عليهما السلام، فقال: «إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم».
وأوضح أن معنى «يا أخت هارون» أي يا شبيهة هارون في الصلاح والتقوى، أو المنتسبة إلى أسرة عُرفت بالاستقامة والفضل.
لماذا لم تدافع مريم عن نفسها؟
وأشار أستاذ التفسير إلى أن السيدة مريم لم تدخل في جدال مع قومها ولم تتولَّ الدفاع عن نفسها بالكلام، وإنما امتثلت لأمر الله تعالى، فأشارت إلى الطفل الذي تحمله.
وعندما تعجب قومها وقالوا: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾، وقعت المعجزة الكبرى، إذ أنطق الله تعالى السيد المسيح وهو طفل رضيع، فقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾.
القرآن سجل براءة مريم إلى يوم القيامة
وأكد الدكتور مختار مرزوق أن الله سبحانه وتعالى تولى بنفسه إعلان براءة السيدة مريم عليها السلام، وسجل هذه البراءة في القرآن الكريم الذي يتلى إلى يوم القيامة.
وأضاف أن تكريم الله لمريم بلغ حد تسمية سورة كاملة باسمها، وهي **، في دلالة واضحة على مكانتها العظيمة وطهارتها وبراءتها مما نسبه إليها قومها ظلمًا وبهتانًا.
دعوة للرجوع إلى كتب التفسير
واختتم أستاذ التفسير حديثه بدعوة الراغبين في التوسع في هذه المسألة إلى مراجعة كتب التفسير المعتمدة، ومنها تفسير الآلوسي، وكتاب «التفسير الوسيط» للدكتور محمد سيد طنطاوي، وتفسير مجمع البحوث الإسلامية، لما تتضمنه من تفصيلات علمية حول هذه الآيات الكريمة.

