يُعتبر وزير الصناعة المهندس خالد هاشم من القلائل الذين يتمتعون برؤية واضحة وشفافية في تصريحاتهم، حيث يتحدث بلغة الأرقام دون تزييف للحقائق أو تقديم وعود وهمية. فهو لا يتهرب من صعوبة الواقع، بل يقدم تصورات واقعية تدعو إلى التفكير.

تصريحه بأن الوصول بالصادرات المصرية إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2030 هو هدف صعب لكنه ليس مستحيلًا، يُعتبر مدخلاً هامًا لمناقشة مستقبل الصناعة المصرية.

لكن الأهم من الرقم نفسه هو ما يكشفه التصريح من حقيقة أكثر أهمية: أن تحقيق هذا الهدف قد يستلزم زيادة كبيرة في الواردات من المكونات ومدخلات الإنتاج. وهنا يبرز السؤال: هل نريد صادرات أكبر فقط، أم صناعة أقوى؟

هذا السؤال استحوذ على اهتمام الدكتور رضا عبد السلام، النائب البرلماني وأستاذ الاقتصاد بكلية الحقوق جامعة المنصورة، الذي اعتبر أن تصريحات الوزير تستحق التأمل العميق، لأنها تكشف عن جانب من الخلل المزمن في هيكل الاقتصاد المصري.

فمصر ليست فقيرة بالإمكانات؛ لدينا موقع استراتيجي فريد وقناة السويس وموانئ وسواحل وسوق ضخمة وموارد طبيعية واسعة وقوة بشرية كبيرة. ولكن المشكلة تكمن في عدم تحويل هذه الإمكانات بشكل كافٍ إلى صناعة ذات قيمة مضافة مرتفعة.

المعضلة هنا هي أن نستورد مكونات ومدخلات ثم نقوم بعمليات محدودة عليها ونصدرها. فهذا ليس النموذج الذي يمكن أن يبني اقتصادًا صناعيًا قويًا. فالنجاح الحقيقي لا يقاس بحجم الصادرات فقط، بل بنسبة المكون المحلي وحجم القيمة المضافة وفرص العمل والتكنولوجيا التي نمتلكها ونصدرها.

وهنا تظهر المقارنة التي طرحها عبد السلام مع إسرائيل، رغم اختلاف الظروف والسياقات، لتكون أكثر تعبيرًا عن الواقع؛ فالدول لا تتقدم فقط بما لديها من موارد، بل بما لديها من علم وإدارة وكفاءة وابتكار وقدرة على تحويل المعرفة إلى منتج.

الثروة ليست في طن الخام، وإنما في عدد المرات التي نستطيع أن نضاعف بها قيمته قبل أن يصل إلى السوق.

وهذا يعيدنا إلى أهمية التعليم؛ فلا يمكن بناء صناعة حديثة بتعليم منفصل عن احتياجات الصناعة. كما أنه لا يمكن المنافسة في التكنولوجيا دون بحث علمي وابتكار، ولا رفع القيمة المضافة دون وجود عمالة ماهرة ومهندسين وباحثين قادرين على تطوير المنتجات.

ثم تأتي بيئة الاستثمار؛ فالمستثمر يحتاج إلى باب واحد حقيقي وإجراءات واضحة ونظام إلكتروني فعال ومواعيد محددة وقواعد مستقرة. كل يوم تفوت فيه فرصة استثمارية بسبب البيروقراطية هو يوم تخسره الصناعة المصرية.

لذا فإن تصريحات وزير الصناعة يمكن أن تكون بداية نقاش وطني جاد حول كيفية الانتقال من اقتصاد يعتمد على الاستيراد إلى آخر يصنع مدخلاته بنفسه. وكيف ننتقل من تصدير المواد والمنتجات الأقل قيمة إلى تصدير المعرفة والتكنولوجيا والمنتج النهائي؟

فالهدف ليس فقط الوصول إلى 100 مليار دولار بأي طريقة ممكنة، بل يجب أن تكون هذه المائة مليار نتاج صناعة مصرية حقيقية توفر فرص العمل وتوطّن التكنولوجيا وتقلل فاتورة الاستيراد وتزيد القيمة المضافة وتعزز قوة الجنيه المصري عبر الإنتاج وليس عبر المسكنات.

وهنا تكمن قوة الوزير الحقيقية؛ إذ إن الاعتراف بأن الطريق صعب هو أول شروط النجاح. أما الجزء الأهم فهو تحديد ما يجب علينا فعله لتحويل هذه الرؤية من هدف نظري إلى مشروع صناعي مصري قابل للتحقيق. وهذا هو السؤال الذي يستحق أن يكون محور مقال قادم إن شاء الله تعالى.