قال وزير الخارجية اليمنى الأسبق الدكتور أبو بكر القربى، إن الولايات المتحدة الأمريكية سعت خلال السنوات الماضية إلى الترويج لمفهوم «الفوضى الخلاقة»، معتبراً أن هذا الشعار لم يكن يعكس حقيقة الأهداف التى كانت تقف خلفه، فى وقت كانت فيه دول المنطقة، ومنها اليمن، تواجه تحديات وتعقيدات متزايدة على المستويات السياسية والأمنية.
وأضاف القربى، خلال لقاء فى برنامج «الجلسة سرية»، الذى يقدمه الإعلامى والكاتب الصحفى سمير عمر، على شاشة «القاهرة الإخبارية»، أنه يتذكر أول لقاء جمع وزراء الخارجية العرب بوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس فى المغرب عام 2002 تقريباً، حيث بادرها بسؤال حول مفهوم «الفوضى الخلاقة» الذى كانت تطرحه الإدارة الأمريكية آنذاك فى إطار رؤيتها للمنطقة.
وأكد القربى أنه قال لرايس إن أصحاب هذه النظرية ينطلقون من فكرة «الانفجار العظيم» الذى أدى فى النهاية إلى هذا الكون المنظم، موضحاً أنه، باعتباره مسلماً ومؤمناً بالله، يرى أن قدرة الله سبحانه وتعالى هى التى أحكمت هذا النظام، متسائلاً عما إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية قادرة على التحكم فى نتائج أى فوضى تصنعها فى المنطقة بحيث تقود إلى نتائج إيجابية مماثلة.
وأشار القربى إلى أن رايس اكتفت بالابتسام وأجابته بأن الأمر يحتاج إلى «نقاش فلسفي»، لافتاً إلى أن شعارات مثل «الفوضى الخلاقة» و«الربيع العربي» استُخدمت فى كثير من الأحيان لإلهاء الشعوب بعناوين براقة لا تعكس حقيقة ما كان يجرى التخطيط له، وأن ما كان يقف وراء هذه الشعارات يختلف عن الأهداف المعلنة التى جرى تسويقها للرأى العام فى المنطقة.
وقال وزير الخارجية اليمنى الأسبق، إن حجم الأضرار التى لحقت بالمنطقة العربية جراء السياسات المرتبطة بمفهوم «الفوضى الخلاقة» يجعل من الصعب القول إن نتائجها كانت إيجابية، مؤكداً أن ما شهدته المنطقة من اضطرابات وصراعات كشف عن تداعيات عميقة فاقت أى مبررات طُرحت آنذاك.
وتابع القربى، أنه لو كانت النوايا الأمريكية تهدف بالفعل إلى تحقيق الخير والإصلاح، لكان من المفترض أن تتمكن من منع الشرور والاضطرابات التى أعقبت تلك السياسات، مشيراً إلى أن الضرر الذى أصاب المنطقة كان أكبر بكثير من أن يُفسَّر بعدم القدرة على السيطرة عليه.
وأكد أنه لا يستطيع الجزم بأن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تتعمد إحداث الفوضى دون بناء مؤسسات بديلة، لكنه يرى أن ما حدث قد يكون ناتجاً عن غياب هذه النتائج عن حسابات صانعى القرار، أو عن اعتقادهم بأن الأمور ستسير وفق مخطط مرسوم مسبقاً، قبل أن يصطدموا بواقع سياسى واجتماعى مختلف لا يستوعب هذه التصورات.
وأشار القربى إلى أن إحدى الإشكاليات الكبرى التى واجهت دول المنطقة بعد ما عُرف بالثورات العربية تتمثل فى الانشغال ببناء السلطة أكثر من الانشغال ببناء الدولة، لافتاً إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية حاولت الترويج لفكرة بناء الدولة، إلا أن التجارب العملية أظهرت تعقيدات كبيرة فى التطبيق، مضيفاً أن التحديات التى تواجهها الولايات المتحدة نفسها اليوم تؤكد أن بناء الدول والمؤسسات عملية أكثر تعقيداً من مجرد طرح الشعارات أو رسم الخطط النظرية.

