عندما يصعد المصري، أي مصري، إلى الطائرة ويسافر خارج وطنه المحفور في القلوب قبل العقول، يشعر بأنه سفير لبلده، سواء كان سفره للعمل أو التعلم أو السياحة. يتحدث مع نفسه قائلاً: «عليك مسؤولية كبيرة يا بطل»، «عندما تهبط إلى مقصدك فأنت تمثل بلدك وعندما تتحدث فإنك تنطق باسمها».
لقد أدهشني مشهد المتحدثين باسم مصر على الساحة الدولية، واكتشفت لاعبًا جديدًا من طراز فريد في فريق الدبلوماسية المصرية، وهو الوزير أحمد رستم وزير التخطيط. كنت أعتقد أن دوره يقتصر على التخطيط والاستثمار والمالية فقط، لكنني شاهدته يتألق أثناء تفاعله في الأمم المتحدة، حيث لقن رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، أنالينا بيربوك، درسًا في الذكاء وسرعة البديهة.
خلال كلمتها في الجلسة الافتتاحية للمنتدى السياسي رفيع المستوى المعني بالتنمية المستدامة (HLPF 2026)، قالت بيربوك: «بطولة كأس العالم علمتنا درسًا واضحًا ألا نستسلم أبدًا عند الدقيقة 80.. فكم من مباراة بدت خاسرة ثم انقلبت نتيجتها في الدقيقة التسعين».
كانت هذه العبارات تشير إلى مباراة مصر والأرجنتين، مما يعكس ضرورة التمسك بسياسة النفس الطويل باعتبار أن سبب خسارة مصر وفوز الأرجنتين يعود لهذا الأمر.
وبسرعة بديهة، انتفض الوزير أحمد رستم وطلب الكلمة. كان تدخله المفاجئ وكلامه الذي تطرق لمباراة مصر والأرجنتين غير متوقع تمامًا داخل أروقة الأمم المتحدة، حيث يُعتبر الحديث عن الرياضة بعيدًا عن هذا المحفل السياسي.
لكنني فوجئت بالوزير أحمد رستم الذي رد فوراً على مداخلة بيربوك قائلاً: «نعم علينا أن نحافظ على الزخم حتى الدقيقة 79 وما بعدها مع الالتزام بقواعد اللعبة ومبادئ المنافسة العادلة وتكافؤ الفرص».
هذا الرد يؤكد بوضوح أن الظلم التحكيمي وعدم حماية مبدأ المنافسة الشريفة هما ما تسبب في تلك الخسارة.
كانت كلماته تعكس ذكاء وسرعة بديهة الوزير المصري. ورغم أنها لم تكن مكتوبة بل كانت ارتجالية، إلا أنها تعكس كفاءته السياسية كونه رجل تكنوقراط أيضًا.
ليس هذا الموقف الأول الذي ألاحظه، فقد تابعت أداء الدكتور أحمد رستم في مختلف المناسبات وكونت قناعة بأننا أمام كادر شبابي متميز. يمتلك قدرات تنظيمية واضحة وهدوءً في إدارة الملفات وقدرة على عرض الأفكار بصورة منهجية مع إلمام جيد بالتفاصيل مما يؤهله للتعامل بكفاءة مع الملفات المعقدة.
أرى أن الاستثمار في مثل هذه الكفاءات الشابة يمثل أحد أهم عناصر بناء الدولة الحديثة. فالنجاح لا يتحقق بالخبرة وحدها بل أيضًا بالقدرة على التطور والعمل المنظم والرؤية الواضحة.
يذكرني موقف وزير التخطيط برد وزير خارجية مصر الأسبق عمرو موسى خلال حادثة أغادير الشهيرة التي كانت تعرف باجتماعات لجنة القدس. حينما باغته مندوب الولايات المتحدة الأمريكية بحديث خارج إطار الاجتماع يتعلق بمعاهدة السلام التي لم يكن مطروحًا الحديث فيها، رد عمرو موسى بسرعة وذكاء جعل كل القادة العرب يصفقون إعجاباً بذكائه وسرعة بديهته.
من خلال منبري هذا، أضم أحمد رستم وزير التخطيط إلى قائمة الفريق القومي الدبلوماسي المصري بجانب الكثير من شباب مصر المخلصين. فهو بلا شك أحد جسور نقل مصر إلى الجمهورية الجديدة مع زملائه من الوزراء أو أي مواطن مصري قرر أن يكون جنديًا لوطنه في ميدان التنمية والتطور.
فالجمهورية الجديدة لا يبنيها فرد واحد بل يصنعها كل مخلص يؤمن بأن العمل والإنتاج هما الطريق الحقيقي نحو مستقبل أفضل لمصر.
المحامي بالنقض.
رئيس الهيئة البرلمانية لحزب أحداث اليوم بمجلس الشيوخ.

