لم يكن الدكتور مصطفي حموده من أبناء نصر النوبة، لكنه أصبح واحدًا من أهلها، ليس ببطاقة الهوية، وإنما بما زرعه من محبة في قلوب الناس على مدار أكثر من ربع قرن.
طبيب من المنصورة.. صنع وطنًا في قلوب أبناء النوبة
جاء من مدينة المنصورة طبيبًا يؤدي عمله، لكنه لم يغادرها كما جاء، فقد رحل بعد 25 عامًا تاركًا خلفه آلاف الحكايات الإنسانية، ووجوهًا لا تتذكره بوصفه طبيبًا فقط، بل باعتباره سندًا وأخًا وأبًا لكل من عرفه.
في الساعات التي أعقبت إعلان اعتزاله مهنة الطب وعودته إلى مسقط رأسه بسبب ظروفه الصحية، امتلأت صفحات التواصل الاجتماعي في نصر النوبة برسائل الوداع والدعاء والامتنان. لم تكن منشورات عابرة، بل شهادة جماعية من مجتمع كامل لرجل ترك أثرًا يصعب أن يُنسى.
كتب أحد أبناء النوبة عبر منصات التواصل الاجتماعي قائلاً: “مش كل الوداع بيكون سهل”، بينما قال آخر: “وجوده في حياتنا كان رحمة من ربنا لبلد كاملة”. كلمات خرجت بعفوية لكنها اختصرت مكانة الطبيب في وجدان الناس.
وداعًا طبيب الغلابة.. قصة طبيب كسب قلوب النوبة قبل مرضاه
طوال سنوات عمله، لم يكن الدكتور مصطفي ينظر إلى الطب باعتباره وظيفة تنتهي بانتهاء ساعات العمل. كان حاضرًا كلما احتاجه مريض، قريبًا من البسطاء، حريصًا على أن يبقى العلاج في متناول الجميع وأن تكون مصلحة المريض هي الأولوية دائمًا.
ويروى أهالي نصر النوبة أن كثيرًا من المرضى كانوا يقصدونه قبل أي مكان آخر، ليس فقط لثقتهم في خبرته، بل لأنهم كانوا يجدون لديه ما هو أبعد من العلاج؛ كلمة طيبة وطمأنة صادقة ووجهًا بشوشًا يخفف عنهم قلق المرض.
ولم يكن يتردد في تحويل المريض إلى طبيب آخر إذا رأى أن حالته تستدعي ذلك، مؤمنًا بأن نجاح الطبيب الحقيقي لا يقاس بعدد المرضى الذين يحتفظ بهم، وإنما بعدد من يساعدهم على الوصول إلى العلاج المناسب.
ورغم أنه لم يولد في النوبة، فإن السنوات صنعت بينه وبين أهلها علاقة تجاوزت حدود المكان. فصار اسمه حاضرًا في دعوات الأمهات وامتنان الآباء وذكريات آلاف الأسر التي ارتبطت به في لحظات المرض والشفاء.
قرار الاعتزال لم يكن سهلاً عليه كما لم يكن سهلاً على من عرفوه. لكن ظروفه الصحية فرضت عليه أن يطوي صفحة طويلة من العطاء ويعود إلى مدينته المنصورة بعد رحلة امتدت 25 عامًا في خدمة أهالي نصر النوبة.
ورغم رحيله، فإن ما تركه لا يمكن أن يغادر. فالأماكن قد تفقد أبناءها لكنها لا تنسى أصحاب الأثر الطيب.
قد تغلق العيادة أبوابها، لكن أبواب المحبة التي فتحها الدكتور مصطفي حمودة في قلوب الناس ستظل مفتوحة. وسيبقى اسمه حاضرًا كلما ذُكرت النماذج التي آمنت بأن الطب رسالة وأن الإنسانية هي العلاج الأول.
ولعل أعظم تكريم لطيب أفنى عمره بين الناس هو أن يتحول خبر تقاعده إلى دعاء جماعي بالشفاء ورسائل امتنان من قرى وبيوت لم يجمعها به سوى موقف إنساني صنع منه واحدًا من أبناء نصر النوبة وإن كان مولده في المنصورة.

