يشهد الشرق الأوسط مرحلة فارقة تتطلب إعادة النظر في أسس الأمن الإقليمي، حيث كشفت الأزمات المتلاحقة عن محدودية الترتيبات الأمنية التقليدية في مواجهة التحديات المتشابكة.
وفي ظل تصاعد المخاطر الأمنية والاقتصادية والسياسية، تبرز دعوات متزايدة لبناء منظومة إقليمية أكثر استقلالًا، تنطلق من إرادة دول المنطقة، وتستند إلى التعاون المشترك واحترام سيادة الدول، بعيدًا عن أي ترتيبات تُفرض من خارج الإقليم.
وأكد السفير محمد العرابي، وزير الخارجية الأسبق، أن المرحلة المقبلة تتطلب صياغة نظام أمني إقليمي جديد يعكس مصالح دول الشرق الأوسط ويمنحها القدرة على إدارة قضاياها الأمنية بصورة جماعية.
رؤية مصرية للأمن الإقليمي.
وأوضح العرابي أن استقرار الأوضاع في المنطقة يفرض ضرورة التوصل إلى منظومة أمنية جديدة تقوم على توافق بين دول الإقليم، وليس على ترتيبات تفرضها قوى خارجية. وأكد أن الأمن المستدام يبدأ من داخل المنطقة نفسها.
وأشار إلى أن مصر تتحرك دبلوماسيًا لتعزيز التنسيق الإقليمي، من خلال بلورة إطار للتعاون يضم مصر والمملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، بهدف الوصول إلى رؤية استراتيجية مشتركة تعزز الاستقرار وتخدم المصالح المشتركة دون توجيه هذا التنسيق ضد أي دولة أو طرف إقليمي أو دولي.
الاستفادة من تجربة هلسنكي.
ورأى وزير الخارجية الأسبق أن مبادئ اتفاق هلسنكي لعام 1975 يمكن أن تمثل مصدرًا للاستفادة عند صياغة تصور جديد للأمن في الشرق الأوسط، خاصة فيما يتعلق باحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية وبناء الثقة المتبادلة.
واستدرك بأن الظروف الدولية والإقليمية الحالية تختلف جذريًا عن مرحلة الحرب الباردة، مما يستدعي تطوير نموذج أمني يتناسب مع خصوصية الشرق الأوسط وطبيعة التحديات التي تواجهه بعيدًا عن النقل الحرفي لأي تجارب سابقة.
وأكد أن احترام سيادة الدول يمثل الركيزة الأساسية لأي نظام أمني ناجح، داعيًا إلى دراسة آليات لتعزيز التعاون الدفاعي والتكامل العسكري بين دول المنطقة بما يرفع قدرتها على مواجهة التهديدات المشتركة وحماية أمنها القومي.
الأمن الاقتصادي جزء من المنظومة.
وشدد العرابي على أن مفهوم الأمن القومي لم يعد يقتصر على البعد العسكري فحسب، بل أصبح يشمل الجوانب الاقتصادية والسياسية والتنموية في ظل الأزمات العالمية المتلاحقة التي تؤثر على استقرار الدول.
وأوضح أن تعزيز التكامل الاقتصادي بين دول الإقليم يمثل ضرورة استراتيجية وليس مجرد خيار؛ لما له من دور في دعم الاستقرار وتحقيق التنمية وتعزيز قدرة الدول على مواجهة التحديات.
واختتم العرابي بالتأكيد على أن نجاح أي نظام أمني إقليمي جديد يرتبط بتوافر إرادة سياسية حقيقية وتنسيق مستمر بين دول المنطقة بما يتيح صياغة حلول تنبع من الداخل وتعزز فرص تحقيق الأمن والاستقرار بعيدًا عن التجاذبات والتدخلات الخارجية.

