خرجت مصر من بطولة كأس العالم، وبقي في القلب وجع الخروج، وفي الذاكرة فخر الأداء، وفي العقل سؤال لا يبارحنا: هل دفعت مصر ثمن رفع علم فلسطين؟ لا أملك دليلًا قاطعًا للإجابة عن هذا السؤال، ولا أرغب في استبدال التحليل بالغضب، أو تحويل مرارة الخروج إلى اتهام غير مستند إلى برهان.

لكن ما حدث يثير أسئلة مشروعة، خاصة في زمن لم تعد فيه الرياضة بعيدة تمامًا عن السياسة، ولا المواقف الإنسانية بمنأى عن الحسابات.

لقد رفعت مصر علم فلسطين على أرض أمريكا، وتحدثت عن فلسطين، وأهدت نجاحها إلى وطنها العربي وإلى الشعب الفلسطيني. كان المشهد أكبر من مباراة وأبعد من حدود الملعب. كان هناك وطن عربي بأكمله بدأ يحلم، وشعب فلسطيني مثقل بالألم وجد من يتذكره في لحظة انتصار، وملايين العرب الذين رأوا في هذا المشهد شيئًا من أنفسهم وشيئًا من وحدتهم التي تفرقت طويلًا.

ومن هنا يأتي السؤال المؤلم: هل كان علينا أن ننتظر؟ هل جاءت لحظة رفع العلم مبكرة؟ هل كان يجب علينا أن نصمت حتى نصل إلى أبعد نقطة ممكنة في البطولة ثم نعبر عما نريد؟

إن مجرد طرح هذه الأسئلة مؤلم بحد ذاته؛ لأننا نعيش في زمن أصبح فيه التضامن مع المظلوم موقفًا يحتاج إلى حسابات، وأصبح فيه العدل نفسه موضع تساؤل. كنا نريد للفرحة أن تكتمل.

كنا نتمنى أن نرى الشوارع العربية من المحيط إلى الخليج تحتفل، وأن تصل هذه الفرحة إلى أهلنا في فلسطين ولو للحظات قليلة وسط كل ما يعيشونه من ألم. كنا نرغب في إكمال الحلم. لكن بين الأمل والألم حرف واحد، وبين الحلم وتحقيقه أقدار لا نملكها.

خرجت مصر، نعم، لكنها خرجت واقفة. خرجت بعدما جعلتنا نحلم ونصرخ ونفرح ونبكي. خرجت بعدما حملت علمًا لم يكن مجرد قطعة قماش بل قضية شعب ووجع أمة وضمير كل إنسان لا يزال قادرًا على الإحساس.

لهذا سيبقى السؤال حاضرًا: هل دفعت مصر ثمن رفع علم فلسطين؟ مرة أخرى، لا أملك الإجابة القاطعة، لكنني أعلم يقينًا أن فلسطين ليست ثمنًا نندم على دفعه، وأن كلمة الحق لا تصبح خطأ لأنها قيلت في زمن اختلت فيه الموازين.

ربما انتهت الرحلة الرياضية، لكن بعض المواقف لا تنتهي بصافرة حكم. بعض الصور تبقى. وبعض الأعلام حين ترتفع لا تمثل شعبًا واحدًا فقط بل توقظ في أمة بأكملها إحساسًا ظن كثيرون أنه قد مات. نعم، أنا حزينة وموجوعة من الخروج لكنني فخورة بمنتخب بلادي وفخورة بكل موقف إنساني شريف خرج باسم مصر.

وفي النهاية، لا غالب إلا ما أراد الله ولا يعلو فوق مشيئته تدبير ولا يضيع عنده حلم ولا تنتهي الطرق عند هزيمة.
شكرًا لمنتخب مصر.. أوجعتم قلوبنا بالخروج لكنكم أعدتم إليها شيئًا افتقدناه طويلًا: أن نحلم معًا.. كمصريين وكعرب.