رحل عن عالمنا الموسيقار الكبير هاني شنودة، أحد أبرز رموز الموسيقى المصرية، تاركًا وراءه رحلة فنية امتدت لعقود طويلة وأسهمت في تشكيل ملامح أجيال كاملة من المطربين والموسيقيين. ارتبط اسم هاني شنودة بتجارب عديدة تركت بصمة واضحة في تاريخ الأغنية المصرية، بدءًا من تأسيس فرقة “المصريين” التي قدمت شكلًا مختلفًا للأغنية الشبابية في السبعينيات، وصولًا إلى اكتشاف ودعم عدد من النجوم الذين أصبحوا لاحقًا من أهم الأسماء في الغناء العربي، وفي مقدمتهم الهضبة عمرو دياب والكينج محمد منير، اللذين ارتبطت بداياتهما الفنية بقصص خاصة مع شنودة.

قصة هاني شنودة وعمرو دياب

بدأت حكاية هاني شنودة مع عمرو دياب في بورسعيد خلال إحدى حفلات فرقة المصريين، حين كان دياب شابًا يحمل حلم الغناء ويبحث عن فرصة تضعه على أولى خطواته. روى هاني شنودة في تصريحات إعلامية سابقة أنه عندما انتهت الحفلة، ذهب إليه عمرو دياب طالبًا فرصة للاستماع إليه، قائلاً باللهجة البورسعيدية “عايز دقيقة” ليعبر عن رغبته في أن يصبح مطربًا.

طلب منه شنودة الغناء فغنى وكان أداؤه جيدًا، حيث قال: “قولت له كل حاجة فيك كويسة إلا حاجتين: اللهجة البورسعيدية وإقامتك في بورسعيد”. نصحه بالذهاب إلى القاهرة إذا كان جادًا في خوض مشوار الاحتراف. وفي صباح اليوم التالي، وجد شنودة عمرو دياب منتظراً عند الأوتوبيس. أضاف قائلًا: “سألته إيه اللي جابك قال لي أنت قلت لي انزل القاهرة وأنا جاي ومحضر كل حاجة ومعايا المنتج”. كما توسط له لدخول معهد الموسيقى.

ولم يكتف بذلك، بل ساعده أيضًا في التعرف إلى الوسط الموسيقي وفتح أمامه أبوابًا مهمة في بداية مسيرته. كما عرفه بعدد من الشعراء والملحنين الذين لعبوا لاحقًا دورًا مؤثرًا في تشكيل مشروعه الغنائي. وسرعان ما تحولت هذه القناعة إلى تعاون فني؛ إذ تعاون هاني شنودة مع عمرو دياب في ألبوم “يا طريق” حيث لحن له عددًا من الأغاني وتولى توزيع الألبوم بالكامل، وذلك في مرحلة كان دياب لا يزال يسعى خلالها لتثبيت أقدامه على الساحة الغنائية.

ومع مرور السنوات، اتخذ كل منهما مساره الخاص، لكن شنودة ظل ينظر إلى تجربة عمرو دياب باعتبارها واحدة من أنجح التجارب التي مرت عليه. كان يشيد دائمًا بقدرته على التطور المستمر ومواكبة التغيرات دون أن يفقد مكانته لدى الجمهور، مؤكدًا أن نجاحه لم يكن وليد الصدفة بل نتيجة انضباط شديد وحرص دائم على العمل والتجديد.

محمد منير وهاني شنودة.. اكتشاف ونجاح

إذا كان عمرو دياب واحداً من أبرز الأصوات التي ارتبطت بداياتها باسم هاني شنودة، فإن محمد منير أيضًا ارتبط اسمه بالراحل هاني شنودة الذي اعتبره بمثابة “ابنه الأول”. بدأت الحكاية عندما قدم الشاعر عبد الرحيم منصور صوت منير إلى هاني شنودة طالباً منه الاستماع إلى المطرب الشاب الذي كان لا يزال في بداية الطريق.

ومنذ اللحظة الأولى أدرك شنودة أنه أمام صوت مختلف يبحث عن الشكل الموسيقي القادر على التعبير عن هذا الاختلاف. خاض تجربة جديدة مزج خلالها بين الدفوف النوبية والآلات الموسيقية الحديثة ليولد لون غنائي جديد. كان أحد أبرز المساهمين في تشكيل المشروع الفني لمنير خلال سنواته الأولى حيث وزع له ألبوم “أمانة يا بحر” بالكامل ثم واصل دعمه عبر ألبوم “بنتولد” الذي حقق نجاحاً لافتاً وأسهم في توسيع قاعدة جماهيرية لمنير قبل أن يعاد طرحه لاحقاً تحت اسم “علموني”.

ومع انشغال هاني شنودة بمشروع فرقة المصريين حرص على فتح أبواب جديدة أمام منير وعرفه بعدد من الموسيقيين والملحنين الذين واصلوا العمل معه. استمرت بينهما علاقة فنية وإنسانية خاصة انعكست في عدد من الأغنيات التي جمعتهما لاحقاً مثل “شبابيك” و”أنا بعشق البحر”. لهذا السبب لم يكن غريباً أن يؤكد محمد منير في أكثر من مناسبة تقديره لشنودة باعتباره فنان منح الفن عمره وجهده وساهم في تقديم أصوات وتجارب تركت أثرًا ممتدًا في تاريخ الموسيقى المصرية.

عكست “ليلة ذكريات مع هاني شنودة” التي أقيمت في الرياض عام 2023 طبيعة هذه العلاقة الممتدة؛ إذ كان عمرو دياب ومحمد منير من أبرز المشاركين للاحتفاء بمشوار الموسيقار الكبير إلى جانب مجموعة من النجوم الذين ارتبطت بدايات بعضهم أو محطات مهمة بمسيرة هاني شنودة، مما بدا كتكريم لرجل لم يكتف بصناعة الموسيقى بل ساهم أيضًا في صناعة نجوم أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من تاريخ الغناء العربي.