افتتحت السفيرة الدكتورة نميرة نجم، خبيرة القانون الدولي والهجرة ومديرة المرصد الإفريقي للهجرة بالاتحاد الإفريقي، والرئيسة الفخرية للجمعية الإفريقية للقانون الدولي بباريس، أعمال الحوار المتعدد الأجيال والمتعدد القطاعات الذي نظمته المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) ضمن الدورة الرابعة من برنامج التدريب القيادي في السلام والأمن (LTIPS)، بحضور عدد من القيادات والخبراء والشباب من مختلف الدول أمس بمقر المنظمة بالعاصمة المغربية الرباط.

وأكدت نجم في كلمتها الرئيسية أن القارة الإفريقية تُعد من أصغر قارات العالم من حيث متوسط أعمار سكانها، مما يجعل الاستثمار في الشباب والتنمية البشرية أولوية استراتيجية لضمان مستقبل القارة وتحقيق التنمية المستدامة والسلام.

وشددت على ضرورة التعامل مع قضايا الشباب والهجرة بحكمة ورؤية بعيدة المدى، من خلال الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة والتعلم من التجارب التي لم تحقق أهدافها، بما يسهم في صياغة سياسات أكثر كفاءة تلبي احتياجات الأجيال الجديدة.

وأوضحت السفيرة الدكتورة نميرة نجم أن التعليم لا ينبغي أن يقتصر على تحصيل المعلومات أو الحصول على الشهادات، بل يجب أن يتحول إلى معرفة ووعي وقدرة على التحليل والفهم. وأكدت أن المعرفة الحقيقية هي التي تمكن الإنسان من قراءة الواقع وصناعة المستقبل. وشددت على أن فهم التاريخ يمثل ركيزة أساسية لأي رؤية مستقبلية، قائلة: “من دون معرفة التاريخ، لا يمكننا التفاوض حول المستقبل.”.

وأشارت إلى أهمية توسيع مدارك الشباب من خلال القراءة المستمرة والاطلاع وبناء ثقافة عامة واسعة، لأن المعرفة لا تُكتسب فقط داخل قاعات الدراسة، بل تتشكل أيضًا من خلال التجربة والبحث والانفتاح على مختلف مجالات الفكر والعلوم. ولفتت إلى أن عالم اليوم، بما يتيحه من سرعة في الوصول إلى المعلومات، جعل الكثيرين يرغبون في امتلاك المعرفة بصورة فورية، إلا أن المعرفة العميقة تتطلب وقتًا وتأملًا وبحثًا مستمرًا.

ودعت الشباب إلى التحلي بالصبر والعزيمة، موضحةً أن الصبر هو أساس البحث العلمي والوصول إلى المعرفة الحقيقية وفهم التفاصيل والجوانب العميقة لأي قضية. بينما تمثل العزيمة القوة التي تدفع الإنسان لمواصلة الطريق وتجاوز الصعوبات وتحقيق الإنجازات في حياته الشخصية والمهنية.

وفي حديثها عن التنمية والسلام، أكدت أن العمل الجماعي هو الركيزة الأساسية لأي نجاح حقيقي. واستشهدت بفوز المنتخب الإسباني بكأس العالم لكرة القدم كنموذج يؤكد أن الإنجازات الكبرى تتحقق بروح الفريق وليس بالجهود الفردية. وأضافت أن السلام لا يتحقق إلا عبر العمل المستمر في مجالات التنمية وبناء الإنسان.

وتطرقت نجم إلى العلاقة بين الثقافة والهجرة موضحةً أن المهاجر لا يتخلى عن هويته الثقافية أو ارتباطه بوطنه الأم. وأشارت إلى الجاليات المغربية في أوروبا التي ما زالت تحافظ على ارتباطها بالمغرب وتحتفي بإنجازاته الرياضية والوطنية.

واستشهدت بالنجم الإسباني لامين يامال الذي يعتز بجذوره المغربية والإفريقية عبر وضع علمي المغرب وغينيا الاستوائية على حذائه، معتبرةً أن هذا السلوك يعكس اعتزاز أبناء المهاجرين بأصولهم الثقافية رغم اندماجهم الكامل في المجتمعات التي يعيشون فيها. كما أشارت إلى اعتزاز كثير من الشباب العربي بصورة مولدة صناعيًا له وهو يلتف بعلم فلسطين بدلًا من صورته وهو يلتف بعلم إسبانيا بعد فوز بلاده بكأس العالم لكرة القدم؛ كرسالة رمزية تؤكد أن الجذور لا تُمحى وأن الانتماء الإنساني والعربي يبقى حاضرًا ويتحول إلى تضامن مع الشعب الفلسطيني في مواجهة الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة ومحاولات تهجيره قسريًا عن وطنه.

كما أشارت إلى أهمية الرياضة كأداة دمج للمهاجرين في المجتمعات المستقبلة للهجرة، مستشهدة بالتجربة الأوروبية ولا سيما المنتخب الفرنسي الذي يضم لاعبين من أصول متعددة. وأكدت أن المرصد الإفريقي للهجرة يعمل حاليًا على دراسة تحويل مبادرة الحكومة المغربية التي طرحها وزير خارجية المغرب ناصر بوريطة هذا العام على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لتعزيز دور الرياضة في الاندماج الاجتماعي إلى برنامج يمكن تنفيذه في دول إفريقية أخرى.

وأضافت أن تجربتها الشخصية تعكس هذه الحقيقة إذ أمضت أكثر من ثلاثين عامًا تعمل خارج وطنها لكنها ظلت تحمل هويتها المصرية أينما ذهبت. مشيرةً إلى أن الانتماء الثقافي لا يتعارض مع الانفتاح على العالم بل يمثل عنصرًا مهمًا لبناء جسور التفاهم بين الشعوب.

وكشفت نجم عن مشروع بحثي مشترك بين المرصد الإفريقي للهجرة ومعهد الدراسات العليا في جنيف لدراسة العلاقة بين الثقافة والهجرة بهدف فهم كيفية احتفاظ المهاجرين بهويتهم الثقافية عبر الأجيال والاستفادة من نتائج هذه الدراسات لدعم السياسات الإفريقية الخاصة بالهجرة والاندماج والتنمية.

واختتمت كلمتها بالتأكيد على ضرورة بناء مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا للقارة الإفريقية بدءًا بالاستثمار في الشباب وتعزيز المعرفة وترسيخ ثقافة العمل الجماعي باعتبارها الركائز الأساسية لتحقيق التنمية والسلام.

وقد تم الاحتفال ببرنامج الإيسيسكو لسفراء السلام للشباب لعام 2027 وشهدت الجلسات مشاركة السيدة راماتا ألمامي امباي مديرة قطاع العلوم الاجتماعية والإنسانية بالإيسيسكو والدكتور أحمد البنيان رئيس قطاع التعليم ومدير مركز الترجمة والنشر بمنظمة الإيسيسكو والسيد محمد ناصر مدير إدارة رأس المال البشري بالإيسيسكو حيث شاركوا في حوار مفتوح مع الشباب المشاركين ومن بينهم سفراء الإيسيسكو للشباب من أجل السلام.

وتهدف جلسات المؤتمر إلى تعريف الشباب بمنظمة الإيسيسكو ورؤيتها تجاه قضايا الشباب وبرامجها القطاعية واستعراض دور التعليم ورأس المال البشري والتنمية الاجتماعية والإنسانية والعلوم في بناء المستقبل بالإضافة إلى إلهام الشباب من خلال التجارب الشخصية والمهنية للقادة المشاركين.