يشهد السوق العقاري نمواً متسارعاً ومساهمة حيوية في الاقتصاد الوطني، إلا أن هذا النمو يواجه تحدياً حرجاً يمس جوهر الاستقرار المجتمعي والاقتصادي، يتمثل في غياب التوازن القانوني والمالي في العلاقة التعاقدية بين المطور العقاري والمشتري. لقد تحولت “عقود الإذعان” التي تصوغها بعض الشركات إلى أداة تمنح المطور امتيازات مطلقة وشبه أمان من المساءلة، بينما تُجرد المشتري (المستهلك) من ضماناته الأساسية، مما أدى إلى حالة من القلق والاضطراب وأضعف ثقة الأفراد في هذا القطاع الحيوي.
إن مواجهة هذا الخلل تتطلب تدخلاً حاسماً من الدولة لحماية سلامة التعاقدات وسلامة العلاقات السوقية عامة، وذلك من خلال “وضع نماذج قياسية موحدة وملزمة لعقود بيع وشراء العقارات”، بحيث لا يجوز للشركات أو الأفراد الخروج عن أطرها الجوهرية. ولكي تكتسب هذه العقود القياسية صبغتها القانونية والفنية المتكاملة، نقترح عدم انفراد جهة تنفيذية أو تجارية بصياغتها، بل تُسند هذه المهمة الوطنية إلى لجنة رفيعة المستوى تضم عدة مؤسسات وأطراف، منها: (كليات الحقوق، الخبراء القضائيون والعقاريون والمصرفيون، كليات الهندسة، مركز بحوث البناء والإسكان، ونقابة المحامين… إلخ). وبعد الانتهاء من مسودات هذه النماذج، يتم طرحها على الرأي العام وشركات التطوير العقاري وممثلي المستهلكين والخبراء للاسترشاد بآرائهم. إن إلزامية هذه النماذج وعدم جواز الخروج عنها ستعيد “التوازن المفقود” إلى بيئة الاستثمار العقاري، وتُقضي على ظاهرة العقود المجحفة، وتمنح المشتري الأمان النفسي والقانوني بدلاً من الوضع الحالي الذي يجعل ظهره مكشوفاً أمام أي تلاعب أو مماطلة أو غدر، كما توفر وقت القضاء والمحاكم الذي يهدر في نزاعات قضائية مطولة قد تمتد لأكثر من عشر سنوات في بعض الأحيان.
ولإحكام الرقابة وضمان النفاذ الكامل لهذه المنظومة، نقترح ألا تُترك عملية إبرام هذه العقود بعيداً عن الأجهزة الحكومية؛ بل ينبغي أن تتم عملية توقيع العقود تحت رعاية وإشراف طرف حكومي موحد تحدده الدولة لضمان سلامة المعاملات، وفي وجود شركة تأمين لمراجعة العقود والإجراءات وتسلسل الملكية والتأكد من هوية أطراف التعاقد وأهليتهم وصفتهم القانونية، ولتأمين حقوق كافة الأطراف. وبموجب هذا المقترح، لا يجوز قانوناً إبرام أي عقود عقارية في غيبة هذا الطرف الحكومي الراعي أو شركة التأمين؛ لمنع أي تلاعب في النماذج القياسية المعتمدة مما يضفي الشرعية الفورية على المعاملة العقارية ويحميها من النزاعات المستقبلية كما يحمي المواطن أو المستهلك العقاري من أي نصب أو تزوير أو خداع خلال عمليات البيع والشراء سواء تمت بين شركة ومواطن أو بين مواطن ومواطن.
كما يجب التأكيد على أن هذا المقترح بفرض “العقود القياسية الموحدة” وتحت الرعاية الحكومية الصارمة لا يضمن وحده تقديم حل سحري لأزمات القطاع العقاري؛ بل هو جزء من رؤية متكاملة لإعادة حوكمة صناعة الإنشاءات والسوق العقاري من كافة الجوانب: فنياً ومالياً وتأمينياً وتعاقدياً على مدار كافة مراحل حياة العقار. وقد عرضت تلك الرؤية في مقالات سابقة حول جوانب مختلفة لعملية إعادة حوكمة صناعة الإنشاءات والسوق العقاري في مصر عبر حزمة من التعديلات الهيكلية أبرزها:.
- إسناد ومنح محافظ الأراضي للبنوك وليس للمطورين: لتلعب المؤسسات المصرفية دور الممول (بما تمتلكه من ملاءة مالية كبيرة) والرقيب على جودة التنفيذ بمساعدة أطراف أخرى متخصصة مثل المكاتب الهندسية الاستشارية.
- إدماج شركات التأمين في إطار حوكمة السوق العقاري كضامن لكافة العلاقات بين جميع الأطراف في كافة مراحل حياة العقار: بدءًا بحماية المشتري من مخاطر التعثر والتأخير الإنشائي لحظة استلام المطور للأرض ثم الترخيص والتصميم والإنشاء والتسليم مروراً بمرحلة البيع وإدارة وتشغيل العقار لضمان صيانته وحفظ قيمته الرأسمالية وصولاً إلى مرحلة نهاية العمر الافتراضي للمبنى وخروجه تماماً من الخدمة.
- تطبيق نظام “حسابات الوساطة والضمان” (Escrow Accounts) في التعاملات المالية العقارية: سواء بين الشركات والأفراد أو بين الأفراد بعضهم البعض مما يضمن عدم تسييل أو توجيه أموال الحاجزين خارج إطار المشروع ذاته.
إننا بحاجة إلى هذه المنظومة الرباعية المحوكمة لحماية أموال المواطنين وصون حقوق المطور الجاد وضمان استدامة الاستثمار في صناعة الإنشاءات وحماية الثروة العقارية على المستوى الوطني.
سياسي ونقابي مصري – المستشار الأسبق لوزير البيئة.

