توقفنا في الجزء الأول عند فراس السواح الذي يخلط بشكل غريب بين الدعاوى والادعاءات، وينطلق دون أي قيد علمي أو منهجي في عملية تفكيك وتركيب وانتقائية عشوائية، مما جعل نزواته الفكرية تبدو كخبط عشواء لحاطب ليلٍ ذي حصاد كَلَحم جمل غث على قمة جبل وعر يفتقد القيمة والجدوى، كما هو الحال في ادعاءاته الإيديولوجية بأنه:.

1- لا فرق بين الأديان التوحيدية والديانات الوثنية، فكلها تجليات للإله المعبود الذي أخبر عنها في كتابه بقوله: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) بمعنى أنه حكم بها وليس أمرًا، وبالتالي فعبادة الأوثان تأتي بحكمه وعلمه وليس بالمخالفة.

فضلاً عن أن ادعاءه يتعارض مع ما نفاه الله تعالى عن نفسه من قبول الكفر من عباده أو الشرك به بعبادة وثن أو مخلوق كائنًا من كان: (إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ)، (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا).

لكنّ السواح يسير على طريقة التلفيق الفكري المشهورة لدى مسخاء الهوية وزيف الوعي، حيث لو أنه أكمل بقية الآية: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) لعرف أن الله قد قضى كذلك بالإحسان إلى الوالدين.

فهل كل عقوق للوالدين مما يفعله بعض الناس هو وجهٌ من وجوه الإحسان إليهما مما قضى به الله أيضًا؟ وأن عقوق الوالدين مثل عبادة الأوثان أمر تعبدي محبوب من الله؟

ولأن السواح لم يتأمل في أصول اللغة العربية ومعنى كلمة (قضى) في القرآن الكريم ذات الاستعمال المتنوع المقاصد، يكفي أن نرشده إلى استعمال قرآني لكلمة قضى في قوله تعالى: (فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ) فهل معنى قضى هنا هو حكم؟

ومن الواجب كذلك إرشاده إلى نوعين من القضاء والإرادة والمشيئة الإلهية: أحدهما كوني والآخر ديني يتعلق بما يحبه الله ويرضاه دينًا من الناس. فالله يحب للناس ويرتضي التوحيد والهداية والصلاح محبةً ورضاءً دينيًا، لكنه يسمح كونيًا بوجود الوثنية والكفر والضلال لتحقيق العدل التام بمنح الإنسان حق وحرية الاختيار مقابل الثواب على الإيمان والجزاء العقابي على نواقض الإيمان والصلاح والهداية.

2- القصص القرآني سواء قصة آدم أو غيره من الأنبياء خاصة إبراهيم وداود وسليمان هي قصص حقيقية وليست مجرد رموز لمعاني. ومع أن ذلك تكذيب صريح لله القائل في سورة يوسف: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين)، فإنه من جهة أخرى طعن في قدرة الله على عقاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا حدَّثته نفسه بأن يزيد حرفًا واحدًا على كلام الله المنزل في القرآن الكريم.

وكيف يستطيع النبي صلى الله عليه وسلم أن يحدث نفسه بشيء لا يستطيعه أصلاً لأن نطقه بالقرآن قد تم منع هوى النفس عنه وميلها إلى شيء آخر سواه لأن نطقه بالقرآن محكوم بالوحي الخالص المعصوم.

3- نفي عالمية رسالة الإسلام ونفي إرسال النبي صلى الله عليه وسلم أي رسائل للملوك والحكام كهرقل والمقوقس وكسرى، ولم يرجع السواح للنص القرآني الحاسم في عالمية الإسلام وعلى لسان النبي صلى الله عليه وسلم مرةً: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا). وكذلك قول الله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ).

4- النبي محمد صلى الله عليه وسلم شخصية دينية تاريخية إصلاحية يُدرس كبشر نشأ مسيحياً في سوريا وتعلم على أيدي نصارى الشام وخاطبهم بخطابهم لأنه لم يُرسل إلى الوثنيين. ولا ندري لو بُعث اليوم القس الإسكتلندي مونتجمري وات صاحب الموسوعة البحثية حول حياة النبي صلى الله عليه وسلم كيف كان سيرد على دعوى السواح بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان سوريًّا؟

5- القرآن الكريم يجب أن يُدرس في سياقه التاريخي والثقافي كأي نص أو أسطورة قديمة من منتجات القرن السادس الميلادي.

6- الإسلام نتاج تفاعل ثقافي وديني مع اليهودية والمسيحية؛ فقد استعار النبي محمد صلى الله عليه وسلم مضمون كتاب التوراة وكتاب الإنجيل.

7- الأوائل لم يفهموا لغة القرآن بينما السواح هو من يفهم لغة القرآن. أي أننا يجب أن نصادم جميع قواعد المنطق ومقررات العقول وأسس المعارف والعلوم اللغوية والبلاغية لنصدق بأن عبد القاهر الجرجاني الذي استخلص نظرية النظم القرآني لم يفهم لغة القرآن وفهمها السواح! وقد كان يمكن للسواح أن يختلف مع تفسيرات الأقدمين ولكنه لم يكن ليجزم بعدم فهمهم للغة القرآن الذي نزل بينهم بلغتهم وحفظوه وتدارسوه؛ فهذا أمر يعكس عجب العجاب.