محمد على الهوارى.
السبت 18/يوليو/2026 – 10:02 م .
مع كل تظاهرة كروية عالمية يعود إلى واجهة النقاش السؤال القديم: هل يجب أو يمكن أن تبقى اللعبة الشعبية الأولى بعيدة عن جدل السياسة؟ يجيب عن هذا التساؤل تاريخ البطولة نفسه، حيث لطالما كان كأس العالم مرآة تعكس الأزمات الدولية، مثل مقاطعة أنظمة ديكتاتورية أو احتجاجات ضد العنصرية أو صراعات ثقافية على الهوية. في كل نسخة، تحاول الفيفا السيطرة على الأوضاع داخل الملاعب بقواعد صارمة لضبط ما يدخل وما يخرج منها، كحجم الإعلام واللافتات التي تحمل رسائل قد تُعتبر سياسية. ومع ذلك، تفشل الفيفا في ذلك لأن الجماهير المتحمسة في المدرجات تبتكر طرقًا جديدة لإيصال رسائلها، سواء عبر بهتافات جماعية مدوية أو ارتداء رموز ثقافية تعبر عن مشاعر مكبوتة.
في مونديال 2026، عادت القضية الفلسطينية لتكون حاضرة بقوة ليس عبر منتخبها الذي لم يتأهل، بل من خلال عاطفة الجماهير المتأثرة بشدة من صور الإبادة الجماعية. وقد رصد تقرير مهم من “Foreign Policy in Focus” الحضور البارز للقضية الفلسطينية في مدرجات ومحيط ملاعب كأس العالم 2026، حيث تحولت فعاليات البطولة إلى مظاهرات تضامن واسعة مع الفلسطينيين عبر مشجعين ولاعبين ومدربين من دول متعددة. تم التعبير عن هذا التضامن برفع العلم الفلسطيني وارتداء قمصان المنتخب الفلسطيني وترديد الهتافات المؤيدة، بالإضافة إلى ظهور لافتات تدعو الاتحاد الدولي “فيفا” لاتخاذ إجراءات بحق إسرائيل.
حملت هذه المشاهد المثيرة والمشاعر الجياشة دلالات خاصة لا تخطئها عين المراقبين، إذ إن هذه التظاهرة تحظى بحضور جماهيري غير مسبوق ومتابعة إعلامية واسعة. وفرت هذه المنصة الرياضية فرصة ذهبية لتسليط الأضواء على المعاناة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون. فالكثيرون حول العالم لا يعرفون التفاصيل الحقيقية للصراع الممتد منذ عقود، مما منح الرواية الفلسطينية زخمًا وحيوية تمكنت من خلالها لفت انتباه شريحة واسعة من الجمهور وإقناعها بخطاب إنساني لقضية عادلة أصبحت رمزًا عالميًا في نضال الشعوب للعيش في حرية وكرامة.
وتشاء الأقدار أن يصل إلى النهائي منتخبان يمثلان موقفين متناقضين تجاه القضية الفلسطينية والأحداث الأخيرة في غزة. حيث كان الموقف الأرجنتيني منحازًا على المستويين الرسمي والشعبي بتأييده للمجازر الإسرائيلية، مما جعله الفريق المفضل لحكومة الاحتلال الإسرائيلي. وقد عبّر نتنياهو عن أمنياته بفوز ميسي والأرجنتين، بينما غرد وزير الأمن المتطرف إيتمار بن غفير داعيًا بفوز المنتخب الأرجنتيني. أما إسبانيا فكان موقفها واضحًا ومشرفًا؛ حيث اعترفت رسميًا بدولة فلسطين ودعمت حل الدولتين.
أعتقد أن نهائي نيويورك يوم الأحد المقبل لا يعلن نهاية أسطورة ميسي البالغ من العمر 39 عامًا وبداية أسطورة يامال البالغ من العمر 19 عامًا، بل يمثل مواجهة مباشرة بين ماضٍ ومستقبل ينتظرها العالم بأسره. آمل أن تنتهي بحصول “حنظلة” على لقب القرن في محاولة لهزيمة فساد الشر.

