(هدور على حتة تانية أحقق فيها حلمي).. جملة قالتها إحدى طالبات الثانوية العامة بعد امتحان الكيمياء هذا العام. جملة لو أدرك واضعوا الامتحانات معناها، لما استعرضوا قوتهم على أبرياء لم يجنوا شيئًا سوى أنهم حلموا.
فقط حلموا، ورغم أنه لم يكن حلمًا ذاتيًا يحمل المجتهدون من الطلاب في قلوبهم، بل كان أيضًا نورًا لهذا البلد الطيب كي يخطو بطموح هؤلاء خطوة إلى الأمام. لكن للأسف، قُتل هذا الحلم في موسم قتل الأحلام. الثانوية العمياء التي كُف بصرها عمدًا ومع سبق الإصرار، باتت رصاصات تستقر في قلوب زهرات ياسمين، وكل خطأهم أنهم صدقوا أن الحلم بالإمكان.
أعترف أنني كنت أمًّا قاسية على أبنائي في تفوقهم الدراسي. أعنف إذا تراجع المستوى ولو بضعة درجات بسيطة. ولكنني الآن لم أعد تلك القاسية، لأن الدراسة -وما زلت مصممة على أنها دراسة وليست تعليمًا- باتت طريقًا لفقد أغلى ما فيك. وعندك في لحظة فقد مادي بفعل التخلص من الحياة الذي هو مرفوض قطعًا، أو معنوي بفقد الثقة في المستقبل.
بل والمؤلم أن هؤلاء الأبناء كادوا أن يفقدوا الانتماء، وهذا بالضبط ما يحدث. فقد أبناؤنا الثقة في مستقبلهم في حضن وطنهم، ووجدوا أن الحلم يختنق والآمال تتبعثر على عتبات واضعي الامتحانات. الذين يرونها تحديًا بينهم وبين وردات غضة، لكنهم لا يدركون أنه تحدٍ غير متكافئ، وأنهم يسيرون عكس الاتجاه المنصف للطلاب وذويهم.
الذين لونت المرارة كلماتهم بلون الأسى وأغلقت قلوبهم على حسرة وضعتهم في مأزق الاختيار بين أبنائهم وتحقيق الأحلام. ووصلنا إلى مرحلة لا يهم فيها الوقت والجهد والمال شرط النجاة بأبنائنا سليمين جسديًا حتى وإن كانوا محطمين نفسيًا.
عندما يخرج معلمو المادة ويصفون الامتحان بأنه في مستوى المدرس الكفء، فعلينا أن ننتبه ماذا نفعل بأبنائنا. عندما يخرج الطلاب وأولياء الأمور ومستقر في أذهانهم أن صعوبة الامتحانات متعمدة وتصب في مصلحة الجامعات الخاصة والأهلية، فعلينا أن ننتبه.
عندما يفقد أبناؤنا الثقة بنا فعلينا أن ننتبه.. عندما تستحيل الأحلام وتتحول إلى كوابيس خانقة فعلينا أن ننتبه. عندما نجعل سنة دراسية واحدة هي البوابة إما لتحقيق الحلم أو العيش تعيسًا فعلينا أن ننتبه.
كفانا عبثًا بالمستقبل.. كفانا قتلًا للأحلام، فأبناؤنا هم أحلامنا الحقيقية التي تعشمنا تحقيقها فحولتموها أنتم إلى أضغاث.

