تتعرض أوروبا لموجة حر جديدة هذا الأسبوع، وهي الثالثة من نوعها منذ بداية شهر مايو الماضي، حيث تسببت هذه الموجات في تعطيل الحياة اليومية وارتفاع عدد الوفيات، بالإضافة إلى زيادة مخاطر اندلاع حرائق الغابات في عدة دول.

تنجم الموجة الحالية عن تشكل قبة حرارية جديدة، وهي نفس الظاهرة الجوية التي كانت وراء موجتي الحر السابقتين. ومن المتوقع أن ترتفع درجات الحرارة بمقدار يصل إلى 10 درجات مئوية فوق المعدلات الطبيعية في بعض مناطق غرب أوروبا، بما في ذلك إسبانيا والبرتغال وفرنسا وبريطانيا، وفقًا لما ذكرته صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية.

في فرنسا، أفادت السلطات باندلاع حريق غابات في منطقة جبال البرانس على الحدود مع إسبانيا، حيث تضررت أكثر من 11 ألف فدان، مما أجبر أكثر من 10 آلاف شخص على إخلاء حوالي 30 قرية وبلدة. وفي الوقت نفسه، اجتاحت حرائق غابات أخرى أجزاء من ساحل البحر المتوسط في إسبانيا خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضية، مما أدى إلى إخلاء نحو 500 شخص.

تواجه أوروبا ظروفًا شديدة الخطورة فيما يتعلق بحرائق الغابات. ورغم عدم توقع وصول درجات الحرارة إلى المستويات الاستثنائية التي سجلتها موجة الحر في يونيو الماضي، والتي تفاقمت بفعل التغير المناخي الناتج عن الأنشطة البشرية، إلا أن خبراء الأرصاد يحذرون من أن استمرار موجات الحر المتتابعة يخلق خطرًا غير مسبوق لاندلاع حرائق الغابات في بعض الدول، وقد صدرت تحذيرات واسعة النطاق بالفعل.

انتشر الحريق في جبال البرانس الفرنسية بسرعة كبيرة، حيث شارك أكثر من 2000 رجل إطفاء في جهود السيطرة عليه، بينما حاولت طائرات الإطفاء إخماد النيران.

وفقًا للنظام الأوروبي لمعلومات حرائق الغابات، فإن ظروف الطقس الشديدة الخطورة لاندلاع الحرائق تغطي مساحة واسعة من غرب ووسط أوروبا، خاصةً في فرنسا وإسبانيا والبرتغال ووسط أوروبا حول جبال الألب. كما تم فرض تحذيرات عالية المستوى بسبب الحرارة في أجزاء من أندورا وفرنسا والبرتغال وإسبانيا وسويسرا.

في البرتغال، تعرضت المناطق الشرقية لأعلى مستوى من التحذيرات المتعلقة بالحرارة. وقد أفادت هيئة الأرصاد البرتغالية بأن درجات الحرارة قد تصل إلى 42 درجة مئوية مع وجود احتمال لهطول أمطار وعواصف رعدية.

أما هيئة الأرصاد الإسبانية فقد أكدت أن موجة الحر الشديدة ستستمر على الأقل حتى يوم غد الأربعاء مع تسجيل درجات حرارة تتراوح بين أواخر الثلاثينيات ومنتصف الأربعينيات مئوية. ومن المتوقع أن تُسجل أعلى درجات الحرارة اليوم الثلاثاء حيث قد تصل إلى 44 درجة مئوية في جنوب فالنسيا.

كما تستعد فرنسا لدرجات حرارة مرتفعة خلال الأسبوع الجاري مع توقعات بأن تكون أشد موجات الحر في المناطق الممتدة من الجنوب الغربي إلى وادي الرون السفلي. وأشارت هيئة الأرصاد الفرنسية إلى أن الأجواء الحارة ستستمر حتى نهاية الأسبوع.

ومن المتوقع أيضًا أن تشهد بريطانيا درجات حرارة أعلى بكثير من المعدلات الطبيعية حيث قالت هيئة الأرصاد البريطانية إن جنوب إنجلترا قد يسجل درجات حرارة تصل إلى 35 درجة مئوية مع استمرار الأجواء الحارة حتى عطلة نهاية الأسبوع مصحوبة بارتفاع الرطوبة وزيادة احتمالات العواصف الرعدية.

رغم المعاناة التي تواجهها أوروبا نتيجة الارتفاع السريع في درجات الحرارة فإن ربط موجة حر معينة بالتغير المناخي يتطلب إجراء دراسات متخصصة. يؤكد العلماء أن موجات الحر حول العالم أصبحت عمومًا أكثر حرارة وتكرارًا وأطول مدة. كما أن أوروبا ترتفع حرارتها بوتيرة أسرع من أي قارة أخرى.

في عام 2025 كانت درجات الحرارة أعلى من المعدلات الطبيعية في معظم أنحاء القارة ويقدر الباحثون أن أوروبا شهدت خلال السنوات الأخيرة عشرات الآلاف من الوفيات المرتبطة بموجات الحر سنويًا.

علاوة على ذلك فإن العديد من المنازل والمدارس ومقار الأعمال عبر أنحاء أوروبا بُنيت لتناسب مناخًا أقدم وأكثر برودة. وفي بريطانيا شُيد الكثير منها للاحتفاظ بالحرارة مما يجعل التبريد خلال موجات الحر أكثر صعوبة.

ولا يمثل تكييف الهواء حلًا سريعًا؛ ففي فرنسا أصبح تركيب أنظمة التكييف موضوع جدل سياسي بينما تمنع أسعار الطاقة المرتفعة الكثيرين في بريطانيا من استخدامه.

حتى في مدن البحر المتوسط الأكثر حرارة حيث تساعد الأفنية التقليدية والمصاريع الثقيلة والواجهات الحجرية البيضاء على الحفاظ على برودة المنازل فإن العديد من المباني الحديثة شُيدت بأساليب تؤدي إلى احتجاز الحرارة داخلها.