بعد المقال السابق “لماذا الإصرار على وجوه مرفوضة شعبيًا؟”، تلقيت عددًا كبيرًا من الرسائل والتعليقات، ولم يكن أغلبها يختلف مع الفكرة، بل طرح سؤالًا آخر بدا أكثر جرأة: إذا كانت هذه الوجوه مرفوضة لدى قطاعات واسعة من المواطنين، فمن الذي يحمي بقاءها؟ ومن الذي يصر على تقديمها في الإعلام والسياسة والمناصب العامة، رغم كل ما يحيط بها من رفض وانتقادات؟

فالمشكلة لم تعد في وجود وجوه فقدت ثقة الناس، وإنما في وجود من يصر على إبقائها في المشهد، وكأن الرأي العام لا قيمة له، وكأن المجتمع لا يملك حق الاعتراض، أو حتى حق أن يرى وجوهًا جديدة تستحق الفرصة.

إن الحديث اليوم عن فتح المجال العام لا يقتصر على حرية الرأي والتعبير فقط، بل يمتد إلى إعادة الاعتبار لمبدأ تكافؤ الفرص، وإفساح المجال أمام كفاءات جديدة تمتلك القبول والاحترام والقدرة على التواصل مع الناس. فلا يعقل أن يبقى المشهد العام حكرًا على مجموعة محدودة من الوجوه، مهما تراجع رصيدها لدى الرأي العام.

فكما تقول شركات الاتصالات: “عفوًا… لقد نفد رصيدكم”، وأعتقد أن هذه العبارة أصبحت تعبر عن مشاعر قطاعات واسعة من المواطنين تجاه بعض الوجوه التي استهلكت كل رصيدها لدى الناس. ومع ذلك لا تزال تتصدر الشاشات والمنصات والمناسبات العامة، وكأن شيئًا لم يتغير.

ولعل ما فعله الكابتن حسام حسن مع المنتخب الوطني يقدم درسًا يستحق التأمل. فقد أثبت أن الجرأة في منح الفرصة للمواهب والاعتماد على من يستحق قادران على صنع الفارق وإعادة الثقة والأمل. ومصر لا تحتاج إلى هذا الفكر في كرة القدم فقط، بل في كل المجالات.

إن مصر بحاجة إلى مدير فني وطني في الإعلام والسياسة والثقافة وفي كل مواقع المسؤولية. تكون مهمته اكتشاف المواهب الحقيقية والبحث عن الكفاءات التي تعمل في صمت. فلا ينبغي إعادة تدوير الأسماء نفسها عامًا بعد عام ولا سياسة فرض وجوه مرفوضة شعبيًا على الناس وكأن الرأي العام لا قيمة له. نحتاج إلى من يمنح الفرصة للموهوبين وليس للمتواكلين، ولمن يستحقونها بجدارتهم وليس لمن تفرضهم الواسطة والمحسوبية والعلاقات. لأن الأمم لا تتقدم بالوجوه المستهلكة وإنما بالعقول الجديدة والطاقات التي تنتظر فقط من يثق بها ويمنحها الفرصة.

لقد أصبح وجود بعض هذه الوجوه عبئًا ثقيلًا على المشهد العام. ليس لأنها تختلف مع الناس؛ فالاختلاف أمر طبيعي وإنما لأنها فقدت ثقة الجمهور. ومع ذلك ما زالت تُقدم باعتبارها المتحدثة باسم الناس أو المعبرة عنهم بينما الواقع يقول غير ذلك. والسؤال الذي يفرض نفسه: من صاحب القرار في استمرار هذه الوجوه؟ وهل تُقاس الأمور بمدى قبول الناس أم أن هناك معايير أخرى لا يعرفها إلا من يدير المشهد؟

ولذلك أقترح إجراء تصويت شعبي يختار فيه المواطنون الوجوه التي لم يعودوا يرغبون في رؤيتها على الشاشات. وأعتقد أن النتيجة معروفة للجميع قبل بدء التصويت؛ يعرفون تمامًا من فقد رصيده لدى الناس ومن أصبح وجوده عبئًا على المشهد العام ومع ذلك يستمر تقديمه يومًا بعد يوم في تجاهل واضح لنبض الشارع ورأي الجمهور.

إن تجديد الوجوه لا يعني إقصاء أحد ولا يعني مصادرة حق أحد في العمل وإنما يعني احترام إرادة الناس وإعطاء الفرصة لمن يمتلك الكفاءة والقبول. فالمشهد العام لا يمكن أن يتجدد بالأفكار وحدها إذا ظلت الوجوه نفسها تتكرر بلا نهاية.

قد تستطيع بعض الوجوه أن تبقى في المشهد سنوات لكن البقاء على الشاشة لا يعني البقاء في وجدان الناس؛ فالجمهور قد يصمت لكنه لا ينسى وقد يشاهد لكنه لا يمنح ثقته إلا لمن يستحقها.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: من يحمي الوجوه المرفوضة شعبيًا؟ وهل آن الأوان للاستماع إلى صوت الناس أم سيظل الرأي العام آخر من يُستشار؟ فقد آن الأوان لرد الاعتبار للكفاءات وليس للمحسوبيات.

استقيموا يرحمكم الله.