لم يكن ملف الصحة بعد 30 يونيو مجرد تحرك لتطوير عدد من المستشفيات أو زيادة حجم الخدمات المقدمة للمواطنين، بل شهد القطاع خلال السنوات الماضية عملية إعادة بناء شاملة شملت طريقة إدارة المنظومة نفسها. بدءًا من التركيز على الوقاية والكشف المبكر، مرورًا بإعادة هيكلة نظام التأمين الصحي، وصولًا إلى ربط تقديم الخدمة بمعايير الجودة والاعتماد.
مع توجه الدولة نحو بناء الجمهورية الجديدة، أصبح القطاع الصحي أحد الملفات التي حظيت باهتمام كبير، باعتباره أحد الركائز الأساسية لبناء الإنسان. فلم تعد المعادلة قائمة على علاج المرض فقط، وإنما على اكتشافه مبكرًا، وتقليل فرص الإصابة به، وضمان حصول المواطن على خدمة صحية آمنة وفق معايير محددة.
البداية من المواطن.. وليس من المستشفى
أحد أبرز التحولات التي شهدها القطاع الصحي كان تغيير فلسفة التعامل مع المرض. فلم يعد المواطن ينتظر ظهور الأعراض ثم يتوجه للحصول على العلاج، بل بدأت الدولة في الوصول إليه من خلال المبادرات الرئاسية للصحة العامة.
جاءت مبادرة “100 مليون صحة” كعلامة فارقة في هذا المسار، بعدما أطلقت حملات واسعة للكشف عن فيروس سي والأمراض غير السارية، ووصلت إلى ملايين المواطنين في مختلف المحافظات.
ولم تتوقف المبادرات عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل ملفات صحية متعددة مثل صحة المرأة، والكشف المبكر عن الأمراض، ورعاية صحة الطفل. وهذا يعكس انتقال المنظومة من مرحلة التدخل بعد حدوث المرض إلى مرحلة الوقاية والاستباق.
فيروس سي.. من أزمة صحية إلى تجربة مصرية
يظل ملف فيروس سي أحد أبرز النماذج التي تعكس حجم التحول الذي شهده القطاع الصحي. بعدما كانت الإصابة بالمرض تمثل تحديًا صحيًا واسعًا، تحولت التجربة المصرية لاحقًا إلى نموذج يعتمد على المسح الشامل وتوفير العلاج والوصول إلى المواطنين في مختلف المناطق.
واعتمدت المواجهة على منظومة متكاملة بدأت بالكشف وانتهت بتوفير العلاج بالمجان، وهو ما ساهم في تغيير خريطة المرض داخل مصر.
التأمين الصحي الشامل.. المشروع الأكبر لإعادة تعريف الرعاية الصحية
على مدار سنوات طويلة، كان حلم توفير تغطية صحية شاملة لكل المواطنين أحد أكبر تحديات القطاع. وهذا ما دفع الدولة إلى إطلاق منظومة التأمين الصحي الشامل باعتبارها مشروعًا لإعادة تنظيم تقديم الخدمة الصحية.
بدأ تطبيق المنظومة من محافظة بورسعيد عام 2019 ثم توسعت تدريجيًا في عدد من المحافظات. وتعتمد هذه المنظومة على مفهوم مختلف يقوم على جودة الخدمة وفصل جهات التمويل عن تقديم الرعاية وجعل طب الأسرة نقطة البداية للحصول على الخدمات الصحية.
ولا يقتصر هدف المنظومة على توفير العلاج فحسب، بل ضمان حصول المواطن على خدمة متكاملة وفق معايير موحدة.
الجودة أصبحت معيارًا أساسيًا للخدمة الصحية
مع إنشاء الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية دخل ملف الجودة مرحلة جديدة. فلم تعد قوة المنشأة الصحية تقاس فقط بوجود المبنى أو التجهيزات، بل بقدرتها على تقديم خدمة آمنة وفق معايير معتمدة.
ويؤكد الدكتور أحمد طه، رئيس الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية، أن تطبيق معايير الجودة يمثل محورًا رئيسيًا في نجاح منظومة التأمين الصحي الشامل وأن الهدف هو بناء ثقافة مؤسسية داخل المنشآت الصحية تركز على سلامة المريض وتحسين تجربته أثناء تلقي الخدمة.
وشهدت الفترة الماضية توسعًا في اعتماد المنشآت الصحية حيث أعلنت الهيئة وصول عدد المنشآت الحاصلة على الاعتماد إلى مئات المنشآت في عدد من المحافظات بما يعكس التحول من فكرة توفير الخدمة فقط إلى قياس مستوى جودتها.
أرقام تكشف حجم التحول
تكشف المؤشرات حجم التغيير الذي شهده القطاع الصحي خلال السنوات الماضية حيث استفاد ملايين المواطنين من مبادرات الكشف المبكر كما توسعت منظومة التأمين الصحي الشامل تدريجيًا بالتزامن مع تطوير ورفع كفاءة عدد كبير من المنشآت الصحية.
كما شهد القطاع تنفيذ مبادرات للتعامل مع قوائم الانتظار وتوفير تدخلات علاجية وجراحية للحالات الحرجة مما ساهم في تقليل فترات الانتظار أمام المرضى في تخصصات دقيقة.
كورونا.. اختبار حقيقي لقدرة المنظومة
مثل انتشار فيروس كورونا اختبارًا غير مسبوق للأنظمة الصحية حول العالم وأظهر أهمية وجود منظومة قادرة على التعامل مع الأزمات والطوارئ. وخلال الجائحة تحركت الدولة لدعم المستشفيات وتوفير خدمات العلاج والعزل وتعزيز قدرات الرصد والتعامل مع الحالات وهو ما أكد أهمية استمرار تطوير البنية الصحية.
الجمهورية الجديدة.. الصحة استثمار في الإنسان
ما بعد 30 يونيو شهد تغيرًا في رؤية الدولة للقطاع الصحي فلم تعد الصحة ملفًا علاجيًا فقط بل أصبحت جزءًا من مشروع متكامل لبناء الإنسان. وبين مبادرات الصحة العامة والتأمين الصحي الشامل وتطوير المنشآت وتطبيق معايير الجودة أصبح القطاع الصحي أمام مرحلة مختلفة تقوم على بناء منظومة أكثر تنظيمًا واستدامة. ورغم استمرار التحديات المرتبطة بالنمو السكاني والحاجة إلى التطوير المستمر فإن ما تحقق خلال السنوات الماضية يمثل تحولًا كبيرًا في مسار القطاع بعدما انتقل من التعامل مع الأزمات إلى بناء منظومة تستهدف حماية صحة المواطن قبل المرض وبعده.
من قوائم الانتظار إلى التأمين الشامل: كيف تغيرت ملامح الصحة في مصر بعد 30 يونيو؟

